&بغداد:&منذ رحيل الشاعر العراقي يوسف الصائغ عام 2005 وذكراه تعيش في اهمال غريب، فلم تتذكره مؤسسة ثقافية ولم يحتف به منتدى او ملتقى او اتحاد، على الرغم من انه انطفأ وهو مشتعل بالابداع !!.
&&& تمر يوم 12/12 الذكرى التاسعة لرحيل الشاعر والمسرحي العراقي الكبير يوسف الصائغ الذي وافاه الاجل يوم الاثنين 12/12/2005 بدمشق، بسبب مشاكل صحية عن عمر 72 عاما ليموت غريبا مثل الكثير من الاسماء العراقية المبدعة ليدفن في مقبرة الغرباء التي احتضنت قبله جثامين الجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين،بعد ان كانت اضواؤه تملأ فضاءات الادب والمسرح ورائحة صوته& تعبق في الامكنة واسمه يلمع بتوهج يحسده عليه الكثيرون، وقد حقق مكانة مميزة لا يختلف اثنان عليها، لكن الاعلان عن رحيله لم يكن مؤثرا في الكثيرين من اهل الثقافة والفن بل ان التناسي كان العلامة الفارقة للسنوات التالية لرحيله بل ان الحال وصل عند البعض الى شتمه والانتقاص من نتاجاته بحجج غير معقولة تتدخل في السياسة بشكل يمتلك الابعاد كلها حتى ليظن القاريء ان الصائغ ما صاغ شيئا ذا قيمة وان صياغاته كلها ترتبط بالايدلوجية وتقلباتها وكأنه ليس صاحب (اعترافات مالك بن الريب) ولا صاحب (الاعتراف الأخير لمالك بن الريب) ولا& (سيدة التفاحات الأربع) ولا صاحب مسرحية (الباب) ولا مسرحية (العودة) ولا رواية (السرداب) ولا فيلم (اللعبة) ولا صاحب الكتابات الصحفية اللامعة في مجلة الف باء لسنوات طويلة (افكار بصوت عال) ولا (جهينة) في جريدة الثورة،بل ان التناسي مع سبق الاصرار والترصد هو الذي يلفه فيما القسوة تقلب جمر احزانه. (ثقافات) ايلاف.. وفي الذكرى التاسعة لرحيل الصائغ تفتح ملف الاهمال الذي طال الراحل.

لقطات من حياته
&& ولد يوسف الصائغ عام 1933 في مدينة الموصل،وينتمي مع مجايليه سعدي يوسف ورشدي العامل وعبد الرزاق عبد الواحد وموسى النقدي وغيرهم، إلى الجيل الذي تلا بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي في حركة الشعر العراقي الحديث، وبالرغم من انه بدأ متأخراً بعض الشيء، إلا إنه سرعان ما حقق مكانة متقدمة في المشهد الشعري، واشتهر عربياً بشكل أخص، بقصيدته (اعترافات مالك بن الريب) التي كتبها بداية السبعينيات.
انتمى الصائغ، كمعظم زملائه، إلى الحزب الشيوعي العراقي، واعتقله البعثيون بعد انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 وزج به في سجن (نقرة السلمان) الشهير، وأفرج عنه عام 1968، ولكنه بعد عام 1978 افترق عن الحزب الشيوعي، وعمل في المؤسسات الرسمية، حتى عين مديراً عاماً لدائرة السينما والمسرح، كما كتب عدة قصائد عن صدام حسين. واعتلت صحته في السنوات الأخيرة، مما اضطره للابتعاد عن النشاط الثقافي العام.

فليستحي المثقفون
&& فقد اكد الشاعر جواد غلوم على ضرورة اعادة الاعتبار للشعراء اللامعين، وقال: يبقى يوسف الصايغ علامة مميزة وبصمة واضحة المعالم في الشعر العراقي على الرغم من كل ماقيل عنه بمغازلة النظام البعثي وهل ننكر (اعترافات مالك بن الريب) التي تعد من عيون الشعر العراقي الحديث.
&واضاف: فليستحي المثقفون والقائمون على المؤسسات الثقافية العراقية لهذا الاهمال المتعمد لشاعر وكاتب روائي ومسرحي اضاف قدَرا ابداعيا يلفت الانظار مثل يوسف الصائغ، وبصريح العبارة اقول: لم اقتنع يوما ما بصواب شن هجمات هستيرية على الشعراء لانهم اتخذوا موقفا معينا قد لايروق للاخرين وفكرة الالتزام التي بليت مضامينها ولم تعد ترضي احدا قد ذهبت الى غير رجعة فكثير من كبار الشعراء كانوا بمنأى عن هموم شعوبهم لكنهم ظلوا نجوما لامعة في سماء الشعر ونذكر منهم خورخي بورخيس وتوماس اليوت وأزرا باوند وغيرهم الكثير
وتابع: أعيدوا الاعتبار للشعر والشعراء اللامعين ولاتأخذنكم لومة لائم& لمجرد ان شاعرا قد اصطف خوفا او بظرف قاهر الى جانب طاغية ولتكن نصوصه التي كتبها هي المعوّل عليها وآمل ان ننتظرك عند تخوم البحر كما قلت قبلا ايها الشاعر المتميز المتألق ولو كره الكارهون.

الحقد الايديولوجي اتجاه الصائغ
اما الاديب الدكتور أثير محمد شهاب فقد اكد ان الصائغ سيبقى حاضرا، وقال: يوسف الصائغ تمثيل لصورة الثقافة العراقية في انهيارها المتواصل،وهو& المثقف الذي قمعه المثقف نفسه، وستبقى لعنة الصائغ تلاحق الفريد سمعان وفاضل ثامر لانهما من بين الذين اشتركوا في عدم تأبين الصائغ في اتحاد الادباء،بسبب ذلك الحقد الايديولوجي اتجاه الصائغ،وانا لا ابرئ احدا من بين تلك الاسماء التي جعلت من انفسهم قضاة على& هذا الشاعر.
واضاف: الصائغ حالة تسربت اليه صورة الاعتراف من خلال تمسكه بالطقوس الكنسية،لذلك وجدنا المتهم البرئ حاضرة في ادبه،لذلك كان الاحتفاء بالخائن والمنهار في جزء من ادب الصائغ.
&وتابع: ان ثقافة الاعتراف كانت حاضرة في ادب الصائغ الذي بقي في اروقة جريدة طريق الشعب الى اخر لحظة اغلاقها بعد الجبهة الوطنية فيما فر كل الرفاق ومن حسب نفسه في خانة الثقافة الورقية...لم تعد هناك ثقافة حقيقية...وانما نحن بصدد مواقف...والثقافة العراقية هي مواقف يتحول فيها المثقف الى قاضي..حاكم على حياة الاخرين...والسياب من بين الاسماء التي وضعت في هذه الخانة
وختم كلامه بالقول: سيبقى يوسف الصائغ حاضرا..فيما الفريد سمعان وفاضل ثامر وابراهيم الخياط في خانة النسيان.

التعامل الايدلوجي.. خطأ
من جانبه اكد الناقد زهير الجبوري على ان التعامل مع المبدع ايدلوجيا خطأ كبير، وقال: للشاعر الكبير يوسف الصائغ مكانة خاصة في الادب العراقي، ذلك لأنه استطاع ان يعطي منجزا كبيرا يمتد& الى حد الآن.
&واضاف: لم يكن الصائغ الا واحدا من اهم المثقفين العراقيين الذين تتعدد اهتماماتهم الثقافية في الشعر والمسرح والمقالة وما الى ذلك.. وكتب عنه الكثير من النقاد ودرس في الجانب الاكاديمي.. لكن لقرب اشتغاله في السلطة السابقة أثر عليه الى حد ما لأن الآخر تعامل معه ايديولوجيا وليس ابداعيا، وهذا خطأ كبير.. يكفي انه بقي في ذاكرتنا رحمه الله.

لا يمكن تجاهله
فيما اشار الشاعر محمد حبيب مهدي الى عدم امكانية تجاهل الصائغ، وقال: مازال للشاعر&& يوسف الصائغ حضوره المميَّز على ساحتنا الثقافيّة، شاعراً وروائيّاً وصحافياً، والشعور بالإنحطاط والتخلف في الوقت الحاضر على المستويات كلها جعلنا ننسى العديد من الأسماء المهمة في الوسط الثقافي ربما يكون الراحل ( الصائغ ) واحدا منهم، ليس عمدا أو قصدا أو انتقاصا من قيمته الكبيرة أبدا، إنما فشل الأحوال برمتها في إثبات وجودنا كواقع ضروري لإستكمال النهوض في حياة جديرة بالعيش& باء بالفشل منذ تغيير النظام السياسي وحتى انتظارنا حتى هذا اليوم
واضاف: لا يمكن تجاهل أو إلغاء شاعر كبير ومهم جدا مثل يوسف الصائغ الذي أمتازعن غيره بخصوصية القصيدة اليومية الرائعة فضلا عن تجاربه الأخرى في كتابة الرواية والمسرحية وحتى العمود الصحفي الفريد.
وتابع: المثقفون العراقيون للأسف ينجرون في الغالب لمواقف الشاعر السياسية إن كان ( كذا ) أو كان ( كذلك ) ناسين عمله الإبداعي الأول والذي ضيّع كل عمره في نحت مشواره الطويل والجميل،وهذا ما أوقع شاعرنا الكبير الصائع في شباك البعض الواهنة.

الشاعر المظلوم
اما الشاعر حمدان طاهر فقد اكد ان الصائغ شاعر مظلوم، وقال: الشاعر يوسف الصائع شاعر أستثنائي وشاعر له بصمة مهمة في الشعرية العراقية والعربية ولكن الشاعر حين يجير لأيدلوجيا حزبية معينة أو يحسب على نظام فأن لذلك ضريبة باهضة لاتستهدف فقط شخص الشاعر وأنما تستهدف حتى منجزه الابداعي وماتركه من أثر وهذا مايحدث دائما في العالم العربي والعراق بصورة خاصة , لماذا العراق لأنه العراق دائما يعاني من تكريس وأحتكار السلطة لصوت الشاعر والمثقف على حد سواء.
&واضاف: أنا شخصيا أعتبر الصائغ شاعرا مظلوما رغم أنه أستفاد من مرحلة النظام السابق ولي عدد من المبررات منها أنه ينتمي لأقلية مسيحية عرفت بالمحبة والتسامح والخوف الدائم من السلطات وعرفت ان بدايات الصائغ كانت يسارية ثم تحولت الى قومية بعثية وهناك الكثير من أصدقائه يؤكدون أنه لم يكن مقتنعا بالبعث وأنه متشظي بين قناعاته وبين ألتزامه كشاعر محسوب على السلطة.
&وتابع: احد اصدقاء الشاعر يروي ان الصائغ كان على فراش المرض في دمشق،وقد تيقن انه مفارق الحياة فكتب ابياتا يهجو فيها صدام بطريقة ساخرة اذ قال:
(لاترحموا عزيز قوم ذل
لاترحموا البطل
يكفيه انه رأى الذي رآه
ولم يمت من الخجل!).
وختم بالقول: بقي أن أقول أني سقت هذه المقدمة لأوكد لك سبب النسيان وهو معاقبة الشاعر لأنتمائه الحزبي وجعل نتاجه الابداعي وشخصه في سلة واحدة وأنا اعتقد ان هذا خطأ فادح يضر بتاريخ الشعر العراقي والعربي بصورة عامة.

محنة يوسف الصائغ&&
&& الى ذلك اوضح الناقد علي الفواز ان الصائغ ضحية ثقافية، وقال: يوسف الصائغ رمز مهم من رموز الثقافة العراقية، ورمزيته تتجاوز& التوصيف السياسي الملتبس، باتجاه فعالية حضوره الشعري الرائد والمجدد، فضلا عن حضوره& في التحولات العميقة& الحادثة& في بنية المشهد الثقافي بشكل عام.
&واضاف: غياب الاحتفاء الرسمي والثقافي& بيوسف الصائغ لايعني تغييب حضوره الفاعل في الحياة الثقافية، سيما وان الاحكام& الثقافية في التاريخ العراقي وحتى العربي لايمكن تبرئتها من المرجعيات السياسية والايديواوجية، وهو ماجعل الصائغ الاقرب الى الضحية الثقافية او القربان الثقافي لتاريخ مرعب من الادلجة التي اكلت الكثير من احلام& وانويات المثقف.
وتابع: محنة يوسف الصائغ& تعكس محنة التوهم المرعب مابين السياسي والثقافي، او رعب الاقنعة التي يلبسها& البعض، بكل تاريخ الصائغ الشعري والاعلامي لم يشفع& له تورطه& في ممارسة وظيفة مشوشة للسياسي، أوحتى التعبير عن خطاباته ووظائفه وشتائمه، وهذا السياسي المتضخم والايديولوجي الموهوم لم يستطع الاّ ممارسة قسوة الطرد والتشكيك بالشاعر، ليس لان الشاعر لبس معطف السياسي والعقائدي، بقدر ان الشاعر& لم يستطع ان يصنع عتبات حقيقية لسلطته المعرفية، او لوجوده، فضلا عن ان محنة الصائغ كشفت عن هشاشة وخواء الانتلجسيا العراقية التي تعاملت للاسف مع الصائغ بوصفه شاعر البراءة الحزبية، وليس الشاعر& القلق والمزاجي والحالم.

اخوة يوسف
مسك الختام في الاراء كان الشاعر زاهر موسى الذي كشف خبايا عن ما تعرض له الصائغ، وقال: يتناكف خصماء الدهر (البعثيون والشيوعيون) حول الصائغ وهو الذي استفاد من كليهما بطريقة فجّة وبرضا كل من عاصره وسكت عنه، لقد كانت الجوائز حجر زاوية في تجربة الصائغ الأدبية، فلم يؤرشف روائيا إلا بجائزة، ولم يعمّد مسرحيا إلا بجائزة، وكأن المنصات تتقاذفه وباقات الورد التكريمية تتحلق حول خطواته، كيف إذن اصبح الصائغ مهملا ثقافيا وقد تصدر أربعة عقود من حياة العراق الثقافية شيوعيا وبعثيا؟ كيف أصبح عرضة لخيانة الآخرين له وهو الذي بدأ يبرر لخيانته قبل عقد منها؟ كيف مات منبوذا ومريدوه يتحلقون من حوله؟
واضاف: الرجل كان رمزا لكل من يريد شرعنة موقفه المهادن لنظام صدام على أنه سبيل حياة وأحيانا توحيد موقف ضد خطر عام ما زالت تتجسد يوما بعد يوم، بعضهم ذهب إلى أن خيانة الصائغ للشيوعيين سبقتها خيانة الشيوعيين لكل من لم تتيسر لهم فرصة الهرب أو لم يرغبوا بها من رفاق الداخل، وهكذا فالمقالات تتراكم في تجاذب مواقف الرجل السياسية منذ وفاته حتى قام بعضهم بجمعها تحت عنوان يحمل من الادانة للثقافة العراقية ما لم يفكر به الصائغ نفسه وهو "أخوة يوسف".
وتابع:& لقد تضخم أمر الرجل حتى استقل عنه فبات لافتة لمآرب لا تنتهي أو لنقل انها تبدأ باستمرار، حديث عن خيانة الحزب الشيوعي له، وحديث عن خيانته لليسار العراقي، وحديث عن جمعه جمهوره ومجده ابان توليه شطرا من وزارة الثقافة، وحديث عن عدم اهتمام الثقافة العراقية بمنجزه بسبب التفاتات سياسية بحتة لا علاقة لها بالموهبة، وجدل عن موته في دمشق بعد تنكر الأقرب له والصراعات لا تنتهي.
&&& واضاف ايضا: أكثر ما يدهش في الأمر أن هناك من يقفز على حقائق أثبتها الصائغ بنفسه فيما كتب بوعي منه أو بدون وعي، وكأن القدر أراد للرجل موقف مالك بن الريب الارتكاسي فيما بعد، وكأنه تنبأ بما سيحدث حتى تشابهت مرحلة قطع الطريق في حياة بن الريب مع مرحلة المعارضة الشيوعية في حياة الصائغ وانتماء ابن الريب للجيش الاسلامي الفاتح مع انتماء الصائغ لنظام صدام الديكتاتوري، هكذا يضع الصائغ اسمه على خارطة الثقافة فيأتي أحدهم ليحركه ذات اليمين وذات الشمال تبعا لرغبته وحاجته رغم ان الرجل اعترف ورثى نفسه على طريقة ابن الريب حينما أماتت أفعى البعث روحه فقط.
&
قصيدة له معبرة عن حاله

ليس هنالك من قول في الختام الا ان تنفض وزارة الثقافة نعاسها وتناسيها وتستيقظ فتتنفس الهواء الثقافي النقي من جديد وتستذكر الراحلين الكبار وتخلد ذكراهم، وعليها ان تقرأ للصائغ قوله ليكون شعارها الدائم:

ما تبقى هو الحب
هذا رهاني الاخير
زهرتان على القلب.... ذابلتان
وسبع شموع تنير الضمير
وانتم
خذوني لطيبة قلبي
فان المحبة طيبة القلب
والشعر مغفرة
وزمان المحبين
جد قصير
&