دمشق: لا شك، أن العالم، تطور بمستويات لا حدود لها، فاقت أية تقديرات وتوقعات في ضوء ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. والعالم بوجود هذه الثورة الهائلة والجديد فيها كل يوم، قد ينتقل من مرحلة المجتمع الصناعي إلى مرحلة المجتمع الرقمي أو المجتمع المعلوماتي. إذ أن الشبكة العنكبوتية وثورة الاتصالات راحت تؤثر عميقاً في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.من هذا المنطلق، يصبح مبرراً وملحاً، الإجابة على التساؤل التالي: إلى أي مدى يمكن أن تقاوم الصالونات الأدبية بجلساتها الحوارية الحية والمباشرة، ثقافة "الدش" السا تالايت وثقافة الانترنيت؟. وقبل الدخول في استمزاج آراء المعنيين مباشرة، لا بد من وضع اليد على خارطة الصالونات الأدبية في سورية. فهذه الصالونات، كانت ولا تزال، ظاهرة حضارية متطورة، سبقنا إليها الغرب ولا سيما فرنسا، فكتب الأدب، أرخت لصالوني "مدام ده ستايل" و"مدام دي سيفنيه" وغيرهم.
كما عرف التاريخ العربي، نشوء صالونات أدبية في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقاهرة، وبغداد، ودمشق، والأندلس، حيث كان يجتمع رجال الأدب والفكر في جلسات حوار مديدة وحميمية أثرت التراث والمكتبة العربية بالكثير من الإبداعات الأدبية والنقدية. ولعل أول الصالونات التي عرفها العالم العربي، هو صالون سكينة بنت الحسين في الحجاز، كما اشتهر في الأندلس، صالون الشاعرة ولادة بنت المستكفي (حبيبة ابن زيدون وملهمته) في مدينة قرطبة. وفي عصور الانحطاط، توقفت هذه الظاهرة الحضارية، لتعود من جديد مع بدايات عصر النهضة الأدبية الحديثة والتي أسعفت المرأة في مجتمعاتنا، في الخروج من عزلتها. فأنشأت مريانا مراش صالونها في حلب, ومي زيادة في وادي النيل، وهدى شعراوي وأماني فريد في القاهرة والكسندره الخوري في الإسكندرية...الخ ولعل أهم الصالونات الأدبية التي ظهرت في سورية. والتي كان روادها من أعلام الفكر والأدب، هي:
أولاً، قبل عام 1963:
* صالون مريانا مرااش: ومريانا، هي أول أديبة سورية في ميدان الشعر والأدب في مطلع القرن العشرين وليس ببعيد أ ن يكون صالونها الأدبي الوحيد من نوعه في الشرق العربي، قبل أن ينشأ صالون مي زيادة في وادي النيل.
ومن أهم رواد هذا الصالون الأدبي: كامل الغزي ورزق الله حسون وجبرائيل الدلال، وغيرهم من الأدباء، حيث كانوا في أيام اللقاء يقرضون الشعر ويتجادلون في الأدب.
* صالون ماري عجمي: بعد انحلال عقد الرابطة الأدبية التي تأسست في دمشق عام 1922، بجهود ماري عجمي صاحبة مجلة العروس، استأنف أعضاء الرابطة لقاءاتهم في منزل الآنسة ماري في حي باب توماgt;gt;، وكان منزلها دمشقياً عريقاً وفسيحاً، وكان يلتقي فيه الأدباء والشعراء، أمثال خليل مردم بيك واحمد شاكر الكرمى وأخوه أبو سلمى، وفخري البارودي، وحبيب كحالة وشفيق جبري، وغيرهم، حيث كان الحوار يطول، ويدور حول مشاكل الأدب والنقد.
* صالون حلقة الزهراء: أسسته زهراء العابد في منزلها، مع كل من ماري عجمي وثريا الحافظ وعفيف صعب والدكتورة طلعت الرفاعي، والسيدة زهراء هي زوجة محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية في سورية.
* منتدى سكينة: وهو الاسم الذي أطلقته السيدة ثريا الحافظ على صالونها الأدبي (وهي بالمناسبة زوجة منير الريس) الذي أسسته في منزلها بحي المزرعة في دمشق، واسم المنتدى اشتق لتخليد ذكرى سكينة بنت الحسين صاحبة أول صالون أدبي في العالم، وقد قام المنتدى منذ تأسيسه وحتى توقفه في عام 1963، بنشاط فكري وأدبي كبير، حيث ارتاد المنتدى العديد من الأديبات السوريات والعربيات.. وقد احتفل هذا الصالون بنازك الملائكة التي قدمت يومها مختارات من ديوانيها lt;lt;عاشقة الليلgt;gt; وlt;lt;شظايا ورمادgt;gt;، كما أقيم فيه مهرجان لتكريم الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، بالإضافه إلى العديد من الاحتفالات القومية أيضاً، ومن رواد هذا المنتدى نذكر الأديبة ألفت الإدلبي وهبة البهنسي.
ثانياً ـ بعد عام 1936 (هذا العام كان عام توقف نشاط الصالونات الأدبية):
* صالون حنان نجمة: أسسته السيدة حنان نجمة في عام 1980، في منزلها، ويستقبل الصالون، نخبة من أهل الفن والأدب والفكر في تمام الساعة السادسة مساءً من مساء الخميس الأول من كل شهر، حيث يكلف أديب أو مفكر أو سياسي بإعداد بحث يلقيه في الصالون ثم يفتح باب النقاش للحضور.
وبعد نشوء هذا الصالون، أصبحت الظاهرة خاضعة لزمن محدد في يوم معين من كل شهر، وذلك بعد أن كانت الصالونات السابقة تعقد جلساتها في أزمنة متباينة وتخضع لمناسبة ما إن لم نقل أيضاً تخضع لمزاج السيدة صاحبة الصالون.
وقد استضاف هذا الصالون، الشاعر عمر أبو ريشة وزكي قنصل ونبيه سلامة وبطرس ديب وناصيف نصار ود. فهمية شرف الدين ود. نوال السعداوي والمرحوم غالب هلسا ود. طيب تيزيني... وآخرين كثر أمثال عبد السلام العجيلي وفراس سواح وملاحة الخاني وكوليت خوري وناديا خوست ونهلة السوسو.
*صالون كوليت خوري
مع العلم أن كوليت خوري ترفض تسميته صالون, لعدم انتظام الجلسات ووقتها): في هذا الصالون كانت الأديبة كوليت خوري تتفق على موعد مع لفيف من الأدباء والكتاب رجالاً ونساءً للقاء في منزلها الكائن في منطقة القصاع، يتم في اللقاء طرح ومناقشة موضوعات أدبية واجتماعية وفنية وفكرية، ورواد المنتدى منوعين بين أدباء وكتاب وسياسيين ورجال أعمال.
* صالون عضوة مجلس الشعب السوري حالياً lt;lt;ابتسام صمادي
: افتتحت الشاعرة السورية ابتسام الصمادي، صالونها الأدبي في 10 أيار 1997، ويعقد الصالون جلساته يوم الثلاثاء الأول من كل شهر في منزل الشاعرة صمادي، ونظراً لضيق المكان وكثرة رواد الصالون، قامت السيدة ابتسام بنقل اللقاء المحدد إلى مطعم الصنوبر في منطقة المزة بدمشق قبل أن تنقله إلى قاعة كبيرة في برج الصالحية. وقد عقدت في هذا الصالون العديد من الندوات الأدبية والثقافية بالإضافة إلى العديد من الأمسميات الشعرية، وكان على هامش كل ندوة يقام معرض فني لعدد من الفنانين, وعزف على آلة موسيقية وفي الغالب يختتم اللقاء بقطعة شعرية لصاحبة الصالون.
من أهم رواد وزوار هذا الصالون: نهلة السوسو وحمدة خميس من البحرين ومريم الصيفي من الأردن، وقاسم المقداد، أستاذ اللسانيات في جامعة دمشق والمرحومان د. محمود موعد وميخائيل عيد ود. يوسف سلامة وآخرين.
* صالون د. جورجيت عطية: أقامت د جورجيت صالونها الأدبي في منزلها بحي القصور في دمشق وذلك بعد عودتها من باريس بضعه أعوام حيث نالت شهادة الدكتوراه في التاريخ، جلسات الصالون تعقد يوم الاثنين من كل شهر حيث يتم فيه مناقشة كتاب صادر عن دار النشر التي تحمل اسم السيدة جورجيت أو كتب صادرة عن دور نشر أخرى، إضافة إلى ندوات فكرية وسياسية، من أبرز رواد هذا المنتدى، د. طيب تيزيني ود. أحمد الحسن وزير الإعلام السابق والأستاذ يوسف فيصل وديانا جبور وميشيل كيلو وغيرهم.
* صالون د. عمر أبو زلام: وقد أسسه د. عمر أبو زلام في منزله بحي البرامكة في دمشق، وهو منتدى فكري وثقافي وأدبي واجتماعي، من أبرز رواده د. حسان الهندي ود. محمد سعيد الحلبي وحمزة المنذر... الخ
المنتدى
بالإضافة إلى هذه الصالونات، هناك صالون أدبية لم تعمر طويلاً، مثل صالون سميرة العايش في حلب (في الفترة 1999 ـ 2000) وقد ضاف فيه عدد من الأدباء السوريين مثل نضال حسن ونبيل سليمان ونعمة خالد وآخرين، وأيضاً صالون نهاد سيريس (في الفترة من 1998 إلى 2000) وقد كان من رواد هذا المنتدى د. عبد الرزاق عيد ونبيل سليمان وآخرين. وعن فكرة الصالون، تقول الشاعرة السورية ابتسام صمادي في نقابلة معها، بأنه امتداد طبيعي للأديبات العربيات اللاتي سبقننا في هذا المضمار وهي تجربة ثقافية أخرجتنا من الظلام الحالك إلى النهار الساطع دون أن تبهرنا الأنوار فتتضعضع البصائر بحيث لا نعود نرى الأشياء، وعن إمكانية مقاومة ثقافة الصالونات الأدبية لثقافة الساتلايت، تقول الصمادي: لسنا بحاجة إلى استيراد غذائنا الفكري إذا ما كنا قادرين على طهية على نار هادئة، فجلسات الصالونات الأدبية هي الوجبة التي تشارك في إعدادها إما الساتلايت فهي وجبة معلبة، فالجلسة الحية هي العمل الحقيقي الذي يتم بأقل قدر من لضجيج والأضواء بحيث نكون من خلاله فاعلين ومؤثرين في أحداث تغيير ما على كل الصعيد وخاصة تلك المتعلقة بالإنسان وكينونته الداخلية وما أحوجنا إلى ذلك عبر هذا اللقاء الثقافي الذي نحتاج حيث تتلاقح الأفكار عبر الحوار الصادق الذي يدوم.
أما الدكتورة ناديا خوست فتقول في مقابلة معها: في زمن الفضائيات وفي عصر lt;lt;الدشgt;gt;، يفترض أن يتراجع الكتاب والكلمة المطبوعة عموماً، وكذلك الصالونات الأدبية لصالح المعلومة السريعة السهلة ذات الشكل البراق الممتع والجذاب المقدم من خلال الصورة التي تجعل الجمهور في حالة تلقي فقط وليس في حالة مناقشة وتفكير ومشاركة.
إذاً يقتلع العصر، الجمهور من الثقافة الجادة إلى الثقافة الاستهلاكية البسيطة والسريعة، لكن يجب أن لا نغالي في إبهار وسائل الاتصال الحديثة بل يجب أن نضع وزناً للشروط العامة الموضوعية (الإنسانية والاقتصادية) التي تضطر الناس إلى الاتجاه نحو ما يمكن أن نسميه الثقافة السلعية الاستهلاكية... إن هذا الوضع العام يحرضني للسير في الاتجاه المعاكس رفضاً ومقاومة لهذا الوضع سعياً مني للتخفيف ما أمكن من آثاره السلبية، وهي محاولة للدفاع عن النفس، وأيضاً لدي هوى ذات للاجتماع مع مجموعة من الأدباء والمفكرين والنقاد والفنانين نتحدث ونتحاور حول موضوعات ثقافية متنوعة بعيدة عن الثقافة الاستهلاكية السهلة، في جوي عبق بالحميمية النابعة من طقس اجتماعنا في إطار الصالون الأدبي.
د. جورجيت عطية تعتبر الصالونات الأدبية جزء من المجتمع المدني وتساعد على لقاء الناس بشكل متجانس على الفكر والثقافة، وبالتالي هي شكل من أشكال الارتقاء الاجتماعي، فيه الكثير من الجدية والحميمية والمستوى العالي في طرح الأشياء ضمن موقعها الأساسي، بل لقاءات الثرثرة اللانهائية التي تجمع الناس على التسلية وعدم الجدوى.. الصالون لقاء فيه وجوه جديدة ووجوه قديمة، وفيه آراء تطرح، وأفكار تناقش عبر حوار عميق وبديمقراطية عالية يسمع الآخر مما يوجد تفاعلاً اجتماعياً وثقافياً جيداً.
أما الأديب عبد المعين الملوحي فيقول إن الصالونات الأدبية ظاهرة حضارية ويكفي للتدليل على أهمية هذه الصالونات، أنها كانت مقياساً لرقي المجتمع على مختلف الصعد والمستويات. وخصوصيتها تكمن في فضاء الحوار الديمقراطي والمناقشة الحرة وهذا كفيل بمقاومة ثقافة الساتلايت.
أيضاً وفي بداية العام 2000، انتشرت في سورية ظاهرة المنتديات المنزلية التي تطرح قضايا فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية، والمنتدى الأول الذي ظهر إلى الوجود في هذه الفترة هو منتدى الحوار الوطني الذي أسسه النائب السابق المعتقل رياض سيف وذلك في منزله الكائن في أشرفية صحنايا على أطراف مدينة دمشق، وقد استضاف المنتدى مفكرين وسياسيين وافتتح بمحاضرة عن لمجتمع المدني لشيخ المثقفين السوريين المرحوم أنطون مقدسي.
بعده شهدت دمشق افتتاح منتدى جمال الأتاسي في منزل الدكتور المرحوم جمال الأتاسي في حي المزة بدمشق، وبعدها منتدى حقوق الإنسان الذي أسسه المحامي خليل معتوق بمنزله في صحنايا البلد، وكذلك منتدى اليسار الذي كان يعقد جلساته في منزل الكاتب جاد الكريم الجباعي.. في طرطوس أعلن افتتاح منتدى الروائي نبيل سليمان ومنتدى الدكتورة الريس وفي طرطوس أعلن عن افتتاح منتدى سامر الملوحي وفي القامشلي منتدى بدر خان الثقافي.. وفي حلب المنتدى الديمقراطي الذي يرأسه عبد المجيد منجونة من التجمع الوطني الديمقراطي.
طبعاً بعد حملة اعتقالات ربيع دمشق التي بدأت في ـأيلول من عام 2001، أغلقت كافة هذه المنتديات أبوابها وبقي فقط منتدى جمال الأتاسي الذي نقل مقره إلى منزل في مشروع دمر السكني، ويعقد جلساته السبت الأول من كل شهر الساعة السادسة مساءً.
ومهم في هذا السياق ذكر المنتدى الاجتماعي الذي يشرف عليه الأستاذ مأمون الطباع ,ويقيم هذا المنتدى , ندوات دورية ثقافية واجتماعية منوعة,ويقع مكان المنتدى في وسط العاصمة السورية, في منطقة الطلياني0
