الإثنين: 2006.07.31
شيء ما
د. حسن مدن
ليس هذا زمن السلاح العربي، لولا الاستثناء اللبناني المجيد لكنا أيقنا أن هذه الأمة أصابها الموات. انه زمن السلاح الأمريكي - الصهيوني الذي يختار للمرة الثانية خلال عقد واحد من السنوات قرية قانا، التي يذكر التاريخ أن السيد المسيح استراح فيها، ليجعل من ملاجئها قبوراً لأطفال لبنان ونسائه الذين فروا إليها هاربين من الموت، فإذا بسلاح القتلة يلاحقهم إلى هناك. كأن التاريخ يعيد نفسه مرتين وعلى شكل تراجيديا. كأن قدر الأمهات اللبنانيات الصابرات الباسلات أن يلدن أطفالاً ليخطفهم الموت الوحشي الذي صنعت أمريكا سلاحه وقدمته هدية للقتلة في دولة قامت على القتل وتعيش به.
لماذا الدعاء بأن يكون السلاح العربي صاحياً ldquo;خلِّ السلاح صاحيrdquo;! ما دام الكلام نفسه مستحيلاً وما دامت الأفواه مكممة والقول مصادراً.
يا لذاك الزمان يوم كانت تلك الأغنية تعني شيئاً ويوم كانت تلهب الحماس لأن الوعي متقد. الوعي اليوم نائم، في غيبوبة عميقة طويلة، والإحساس شعور مفتقد، كأن لعنة حلت علينا فأتقنَّا كظم الغيظ في أحسن الأحوال، أما في عادي الأحوال فإننا لامبالون أو خائفون أو مكبلون يمنة ويسرة، فلم تعد الطائرات التي تقتل أطفال لبنان أمام ناظرينا تثير في نفوسنا احتجاجاً أو غضباً.
زمن مضى، ذلك الذي كانت فيه الناس تركض ركضاً في الشوارع معبرة عن غضب وعن تذمر واحتجاج لأن تهديداً ضد بلد عربي قد وجِّه أو عدواناً غاشماً قد وقع. اليوم نجلس بلهاء أمام الشاشات، وهي ترينا كيف تنطلق الصواريخ، وكيف تهبط على أهدافها، وكيف يركض من أخطأهم الموت في الشوارع هلعاً، فيما سيارات الإسعاف تقطع الشوارع مطلقة صفارات إنذار الموت المحقق والموت المحتمل والموت الكامن والموت المتربص.
زمن مضى ذلك الذي كان فيه الصدى بقوة الحدث وأقوى، يوم كانت حتى الهزائم، دعك من الانتصارات، تستفز كل ما فينا من شعور بالكرامة المجروحة والكبرياء المهانة. حتى عندما كانت الهزيمة حولنا وخارجنا، كنا في دواخلنا أقوياء. كان ثمة إرادة وتحد وشعور عميق بأن الهزيمة مؤقتة وعابرة، أما اليوم فيريدوننا أن نكون مهزومين قبل الهزيمة، يريدون أن يجعلوا من الاستثناء اللبناني، ومعه الفلسطيني المقاوم، هو العابر، أما الهزيمة فهي المقيمة.
ليس عبثاً أن أحد أهم أغراض شعرنا منذ الجاهلية هو الهجاء، ويبدو أن في الجينات الموروثة ما يغرينا بالانسياق في الهجاء، ولكن هذا الهجاء حيلة الضعيف، حيلة المغلوب على أمره، مع ملاحظة أن ldquo;إسرائيلrdquo; التي تتظاهر بأنها الغالبة، هي التي فقدت التوازن في ردود فعلها، إزاء ما يلحقها من ضربات موجعة من المقاومين اللبنانيين الذين علَّموها، هذه المرة أيضاً، أن ما من مغامرة لها ستمر من دون ثمن مكلف. فلم تجد وسيلة سوى قتل الأطفال، بمن فيهم الرضع منهم، في انتقام جماعي من شعب لبنان، متوهمة بأن ذلك سيحرض اللبنانيين على المقاومة لا عليها.
ألم يحن الوقت بعد لأن ينبلج نور يبدد هذا الزمن العربي الأسود، فلا يعود الاستثناء اللبناني استثناء، ولا تعود المقاومة في لبنان وحيدة من دون سند عربي سوى الهجاء الكلامي الذي يملأ الفضاء جعجعة من دون طحين؟
