laquo;الرايraquo; تنفرد بنشر أول تقرير طبي بريطاني عن الحرب على القطاع
لندن - إلياس نصرالله
أصدرت أمس، أول بعثة طبية بريطانية مستقلة وصلت إلى قطاع غزة بعد انتهاء الحرب أول تقرير لها عن الوضع هناك من خلال مشاهدات أعضائها. أعد التقرير عضوا الوفد الطبيبان البريطانيان الدكتورة سوي أنغ والجراح غسان أبو ستة، الفلسطيني الأصل والمولود في الكويت. وحصلت laquo;الرايraquo; على نسخة من التقرير الذي يحظى باهتمام واسع، وقُدِّم إلى العديد من أعضاء البرلمان البريطاني والفعاليات السياسية والطبية المختلفة والجمعيات الخيرية وجمعيات حقوق الإنسان.
يشار أن الوفد توجه إلى غزة بالتنسيق مع مجموعة من الجمعيات الطبية والخيرية البريطانية من ضمنها جمعية العون الطبي للفلسطينيين (ماب)، وهي جمعية خيرية بريطانية لها نشاط واسع في توفير المساعدات الطبية للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية ولبنان. ووصلت البعثة إلى غزة في 19 يناير الماضي، أي غداة الإعلان عن وقف النار، وما زال أعضاؤها هناك.
وكانت أنغ، اشتهرت بالدور الإنساني الذي لعبته أثناء حرب لبنان عام 1982 ومشاهدتها لنتائج مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث اعتبرت شهادتها الحية وثيقة رسمية من جانب هيئة الأمم المتحدة وشكلت عاملاً مهماً في فضح الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في تلك الحرب ودور الجيش الإسرائيلي بقيادة أرييل شارون في ارتكاب تلك المجزرة.
يشار إلى ان أنغ تحظى باحترام واسع في بريطانيا وجرى تكريمها على المستويين الشعبي والرسمي بمنحها وساماً ملكياً قلدتها إياه ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية تقديراً لجهودها في إسعاف جرحى حرب لبنان والناجين من مذبحة صبرا وشاتيلا.
افتتح الطبيبان تقريرهما بالإشارة إلى أن غزة تعاني من طبقات متراكمة من الجراح تلقتها ليس فقط في الحرب الأخيرة عليها، بل في الحروب السابقة. وأشار إلى مذبحة خان يونس عام 1956 التي سقط ضحيتها 5000 شخص، ثم الإعدام الجماعي لأسرى الحرب في عام 1967 الذين بلغ عددهم نحو 35 ألفا، مروراً بالآلاف من ضحايا الانتفاضتين الأولى والثانية من قتلى وجرحى، الذين كان من ضمنهم نحو 5420 شخصاً بين قتيل وجريح في منطقة جنوب غزة فقط، أما عن جرائم القتل التي وقعت في الحرب الأخير، فحدِّث ولا حرج.
وجاء في التقرير، أن خلال الفترة الممتدة بين 27 ديسمبر و18 يناير، أي اليوم الذي تم فيه وقف النار رسمياً، ألقي على قطاع غزة نحو 1.5 مليون طن من المتفجرات. أي ألقيت على مساحة لا تتجاوز 25 ميلاً طولا و5 أميال عرضا، لكنها تؤوي ما يزيد على 1.5 مليون إنسان، ما يجعلها أكثر منطقة مزدحمة بالسكان في العالم، أي بمعدل طن من المتفجرات للفرد الواحد. قبل الحرب خضعت غزة لحصار وتجويع تام لمدة 50 يوماً. في الواقع منذ الانتخابات الفلسطينية في عام 2006 وُضعت غزة تحت إغلاق كلي أحياناً وجزئي في أحيان أخرى.
في اليوم الأول للحرب قتل 250 شخصاً، وتم تدمير كل محطات الشرطة من دون استثناء، فكان من ضمن القتلى عدد كبير من رجال الشرطة. بعدئذ اتجهت الى الحرب الإسرائيلية لتدمير المؤسسات الحكومية. وتم قصف غزة من الجو بطائرات إف16 وهليكوبترات أباتشي، وتزامن هذا القصف مع قصف آخر من الزوارق والسفن الحربية من البحر وبالمدفعية والدبابات. عدد كبير من المدارس تم تحويله إلى ركام، من ضمنها المدرسة الأميركية في غزة، إلى جانب 40 مسجداً، وعدداً كبيراً من المستشفيات والعيادات الطبية، والمباني التابعة لهيئة الأمم المتحدة، إلى جانب تدمير 4000 منزل تدميراً كاملاً و21 ألف منزل آخر تدميراً جزئياً. ويقدر عدد المشردين بلا مأوى حالياً ما يزيد على 100 ألف شخص.
وأشار التقرير إلى أن إسرائيل استخدمت أنواعا مختلفة من الأسلحة التقليدية من القذائف والمتفجرات إلى جانب مجموعة من الأسلحة غير التقليدية التي ما زال التحقيق جاريا لتحديد نوعيتها. أما الأسلحة المستخدمة التي تم تحديد نوعيتها فتتألف من أربعة أنواع كالتالي:
1 - قذائف تحتوي على الفوسفور أطلقت من المدفعية أو قُصِفت من الطائرات. ونقل التقرير عن شهود عيان أن هذه القذائف كانت تنفجر على بعد مرتفع فوق غزة وتنتشر محتوياتها من الفوسفور على رقعة واسعة جداً. وقال الشهود أيضاً أن الدبابات كانت تقصف المنازل أولاً بالقذائف التي تخترق الجدران وتدمر المنزل من الداخل يليها حالاً قصف بقنابل فوسفورية تحرق كل ما بداخل المنزل، وهذا ما يفسر العثور على كمية كبيرة من الجثث المتفحمة.
ومما يثير قلق الأطباء أن الفوسفور المستخدم يبدو أنه ممزوج مع عناصر كيماوية أخرى غير معروفة، تجعل من الفسفور مادة متماسكة أكثر ويضمن استمرار اشتعاله لمدة أطول، لدرجة أن كميات من هذا الفوسفور ما زالت منتشرة في جميع أنحاء قطاع غزة، وفي المناطق المأهولة بالسكان حتى في الملاعب التابعة للمدارس وفي الحقول، وتشتعل حالاً كلما لمسها طفل أو احتك بها أي جسم، أو تبدأ في إطلاق غاز سام يعرف علمياً باسم laquo;إبستاكيسraquo; عندما تلامسها المياه أثناء ري الفلاحين لأراضيهم أو حتى مياه الأمطار. مما يشير إلى أن الجيش الإسرائيلي كان يهدف من استخدام هذا النوع من السلاح على نحو شبيه لاستخدامه القنابل العنقودية، لمنع عودة الحياة إلى طبيعتها بعد انتهاء الحرب وعدم استقرار الوضع في القطاع.
واورد التقرير أن الأطباء في المستشفيات لاحظوا بعد تقديم العلاج للمصابين بحروق نتيجة لقنابل الفوسفور ظهور بقع إضافية على أجساد المصابين بعد ثلاثة أيام وأحياناً 10 أيام من تلقيهم العلاج وأخذت تنتابهم حالات مرضية شديدة وينزفون على نحو غير متوقع، ويعانون من توقف عمل الكلى أو يصابون بجلطات قلبية وعوارض أخرى ليست معروفة مثل العوارض التي تنتج عن التعرض للفوسفور الأبيض، مما يعني أن مواد أخرى غير معروفة استخدمت في هذه الأسلحة.
وقال التقرير ان هناك حاجة سريعة لتحليل المركبات الكيماوية لهذه المواد وتكليف فرق خاصة لجمع الكميات التي ما زالت منتشرة منها في قطاع غزة ويزداد خطرها كلما هطل المطر، إلى جانب الحاجة الماسة إلى توعية المواطنين والأطفال في المدارس في شكل خاص لضرورة الحذر في التعامل مع هذه المواد والامتناع عن لمسها.
2 - هناك دليل على استخدام الجيش الإسرائيلي للقذائف الثقيلة من نوع laquo;دايمraquo;، لكنه ما زال من غير المعروف بعد ما إذا كانت هذه القذائف التي استخدمت في جنوب قطاع غزة في شكل واسع تحتوي على اليورانيوم المنضب. لكن يتضح من التقارير الطبية في المستشفيات أن المدنيين الذين أصيبوا بهذه القذائف وما زالوا على قيد الحياة فقدوا بعض الأطراف على نحو غريب، ويظهر للوهلة الاولى وكأن هذه الأطراف قطعت بأمواس حادة جداً من دون أن ينزف المصاب حتى ولو قطرة دم واحدة. أما قنابل الـ laquo;دايمraquo; التي لم تنفجر وعثر عليها، فوجدت أنها ضخمة وثقيلة الوزن في شكل لافت للانتباه.
3 - كما تم استخدام قنابل فراغية وقنابل لتدمير الملاجئ والتحصينات العميقة تحت الأرض. وهناك أمثلة عديدة على النتائج التي اعقبت استخدام هذه القنابل منها مبنى كلية العلوم والتكنولوجيا في جامعة غزة الإسلامية التي تحولت إلى كومة من الركام الناعم لا يزيد ارتفاعها على 5 إلى 6 أقدام فقط.
4 - ثم القنابل الصامتة التي يقول مواطنو غزة أن تُحدِث تدميراً شديداً. فهذه القنابل تصل إلى هدفها بصمت تقريباً سوى من صوت صفير غير مرتفع وتكون نتيجة إصابة الهدف بها اختفاء كل شيء بما فيه البشر من المكان الذي يُصاب بها. وقال التقرير انه كان من الصعب تحديد نوع هذه القنابل وتصنيفها ضمن الأسلحة التقليدية، لكن التحاليل المخبرية جارية على شظايا من هذه القنابل التي سيتم تحديد نوعيتها قريباً.
إضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى استخدام القنابل العنقودية الشبيهة بتلك التي استعملت في الحرب على لبنان، وشاهد معدا التقرير حالات عديدة من المصابين بهذه القنابل في مستشفى أبو يوسف النجار في غزة. وافاد التقرير بأن هذا النوع من القنابل استخدم بتركيز شديد في منطقة سكانية ذات كثافة عالية في رفح بحجة أن استخدامها تم لعرقلة عملية بناء الأنفاق. وشاهد معدا التقرير ست إصابات جراء انفجار القنابل العنقودية.
وتطرق التقرير إلى موضوع الأنفاق السرية التي تصل بين قطاع غزة ومصر، وذكر أن هناك مغالطة كبيرة مقصودة وقع ضحيتها الرأي العام العالمي، حيث تم تصوير هذه الأنفاق بأنها من أجل تهريب السلاح. لكن الحقيقة أن هذه الأنفاق استخدمت بالأساس لتهريب المواد الغذائية لسكان القطاع المحاصرين، ولعبت الأنفاق دوراً مهماً في توفير الغذاء الضروري للناس ومنعت تدهور وضعهم الصحي. لذلك اورد التقرير أن تدمير هذه الأنفاق التي تضرر نحو 50 في المئة منها خلال الحرب، ستكون له عواقب صحية رهيبة على سكان القطاع ما لم يتم فتح المعابر بسرعة وتأمين الغذاء الكافي للناس.
وأشار التقرير إلى عمليات تصفية جسدية بدم بارد ارتكبها الجنود الإسرائيليون الذين كانوا يصلون بدباباتهم إلى المناطق المأهولة بالسكان، فيطلبون من الأهالي رجالاً ونساء وأطفالاً بالخروج من منازلهم حيث كان يجري صفهم وتطلق النار عليهم جميعاً. فبهذه الطريقة فقدت بعض العائلات العشرات من أبنائها.
كذلك لم يتورع الجيش الإسرائيلي عن ضرب سيارات الإسعاف التي كانت تعمل ليل نهار طوال أيام الحرب على نقل المصابين إلى المستشفيات، مما أدى إلى مقتل وجرح عدد من سائقي سيارات الإسعاف وأطقمها الطبية.
وتابع التقرير أنه رغم الأرقام التي تتداولها وسائل الإعلام عن عدد القتلى والجرحى، من الصعب بعد الحديث عن عدد نهائي للقتلى والمصابين الذين يزداد عددهم يومياً. وقال معدا التقرير، أنهما لاحظا علامات الضيق النفسي البادية على الأطقم الطبية التي تشرف على معالجة المصابين. ووفقاً للأطباء توفي عدد كبير من المصابين في غرف الإسعاف أمام أعين الأطباء والممرضين، من دون أن يتمكن أحد من تقديم العلاج اللازم لهم. وقال التقرير ان 40 في المئة من المصابين الذين يزيد عددهم على 5450 مصاباً هم من الأطفال، معظمهم مصابون بحروق. فيما نقل عن طبيب عظام في مستشفى في غزة أنه أجرى 13 عملية خلال يوم واحد وهو رقم قياسي بالنسبة الى مثل هذا النوع من العمليات.
واضاف معدا التقرير، أن لا عجب من الوصف الذي سمعاه بأذنيهما في شكل متكرر من الأطباء والمصابين في المستشفيات لما حدث بأنه محرقة كالمحارق النازية. وقدّر التقرير أن 1600 شخص من المصابين الذين إذا كتبت لهم الحياة بعد هذه الإصابات، سيعيشون معاقين بأنواع مختلفة من الإعاقة البدنية من دون الحديث عن الإعاقات النفسية.
واورد التقرير أن ضيق الرقعة التي يعيش عليها الناس في غزة وانسداد الطرق في وجوهم ليس فقط إلى خارج القطاع، بل داخله أيضاً بين الشمال والجنوب أو الغرب والشرق، كان سبباً رئيسياً في ارتفاع نسبة الإصابات، خصوصا أن الدبابات الإسرائيلية احتلت محاور السير الرئيسية وقطعت الطرق حالاً بعد نشوب الحرب.
وقارن معدا التقرير في هذا الخصوص ما حصل في غزة مع ما حصل في لبنان في حرب عام 2006، حيث كانت الطرق مفتوحة أمام سكان جنوب لبنان وتمكنت أعداد كبيرة منهم من اللجوء إلى الشمال، فيما كانت مثل هذه الحالة معدومة في غزة.
وأشار التقرير إلى أن القذائف والصواريخ التي استخدمها الإسرائيليون في غزة كانت دقيقة في إصابتها لأهدافها بدليل الأبنية المهدمة التي استهدفها القصف، مما زاد أيضاً في ارتفاع نسبة الإصابات بين المدنيين. وأكد أن الأسواق الرئيسية ومحطات الشرطة والمدارس ومجمعات الأمم المتحدة والمساجد والآلاف الأخرى من المنازل لم تقصف عن طريق الخطأ أبداً، بل كانت مستهدفة استهدافاً واضحاً، مما يعني أن استهداف المدنيين كان هدفاً رئيسياً لهذه الحرب. أضف إلى ذلك كمية الأسلحة التي استخدمت ونوعيتها التي تم وصفها في هذا التقرير.
وأشار إلى أن نوعية الأبنية في قطاع غزة التي يعرفها الإسرائيليون جيداً وعدم وجود ملاجئ لاختباء السكان تحت الأرض، مثلما هو الحال في المناطق السكنية في إسرائيل ذاتها، تؤكد أنه لم تكن هناك حاجة لاستعمال القنابل التي تنزل إلى عمق كبير داخل الأرض والمخصصة لضرب الملاجئ والتي استخدمت ضد أبنية اعتيادية، وأن استخدام هذه القنابل في المناطق المأهولة بالسكان كان كفيلاً بإحداث إصابات جسيمة بين المدنيين. كما أشار إلى أن المواطنين في غزة العزل كانوا مكشوفين أمام الجيش الإسرائيلي المسلح بأحدث الأسلحة الفتاكة.
وخلص التقرير إلى أن تعرُّض غزة مجدداً لهجوم إسرائيلي شبيه، ستكون نتائجه حتماً كارثية. لذلك دعا المجتمع الدولي إلى العمل بجد لمنع وقوع مثل هذه الكارثة بتوفير الحماية اللازمة لأهالي غزة، طالما استمر اعتبار تسليح الأهالي لأنفسهم أمراً غير مرغوب فيه.
