علي محمد فخرو

مشهد معالجة الأزمة المالية ـ الاقتصادية العولمية إنقلب تدريجياً إلـى مسرحية هزلية. وما عدنا نعرف من هو الممثٍّّّّل ومن هو المؤلٌّف. فعبر عقدين من الزمن كان واضحاً أن رجال المال كانوا يؤلًّفون وأن رجال الحكم كانوا يمثٍّلون. لكننا منذ سنة، في بداية الكارثة المالية ـ الاقتصادية العولمية، أقنعنا أنفسنا بأن حكومات العالم قد استعادت دورها المفقود كمؤلٍّّّّّّّفة حقيقية، غير مزوًّرة، لمسرحية المال والإقتصاد في بلدانها وفي العالم. وعندما اجتمع العشرون ونشروا بيانات الوعود والوعيد قلنا بأننا حتماً لسنا أمام حكومات طواحين هواء وأن وراء الأكمة ما وراءها.
لقد اقنعتنا تلك البيانات بأن عصر حكم أصحاب الأموال ورؤساء البنوك قد ولُّى وأنه يستبدل بعصر حكم السًّاسة الغيورين على مصالح العباد. ولذلك وافق دافعو الضرائب والفقراء أن تستولي حكوماتهم على أموالهم ومدًّخراتهم في خزينة الدولة لتنقذ بها مؤسسات المال والاقتصاد وذلك ايماناً منهم بأن تضحياتهم بأموالهم العامًّة ستكون مدخلاً لتغييرات كبرى في الحياة الاقتصادية لمجتمعاتهم.
لكًّن الكلام شيئ والفعل شيئ آخر. فما إن استقرًّت أموال الفقراء في خزائن مؤسسات المال والإقتصاد حتى عادت حليمة إلى عادتها القديمة. والعادة، كما يقول المثل التركي، هي اسوأ من داء الكَلَب القاتل. وفي حياة البشر فانُّه كلٌّّّما زادت العادة في عبثيًّتها وسخافتها كلٌّما زاد ترسٌّخها، كما وصفها الكاتب الفرنسي مارسيل بروست. ولايمكن لأية عادة أن تزول إلاٌ أذا حلُّت محلُّها عادة أخرى جديدة، وهذا أمر أمامه العقبات والأهوال.
من هنا يمكن فهم رجوع فائدة البنوك ومؤسسات الاستثمار، بعد مرور فقط سنة واحدة على ما اقترفته أياديهم من آثام وعلى ذرفهم دموع التماسيح وعلى قسمهم الكاذب بأنهم سيتوبون عمًّا دنُّس شرفهم ... رجوعهم إلى نظام المكافآت الأسطورية وتبذير أموال غيرهم في مضاربات مالية لا صلة لها بواقع الاقتصاد ولاضابط بها من قيم وأخلاق.
وإذا كان السًّاسة من قادة الحكومات، وفي مقدٍّمتهم البروفسور المحاضر بتجلٍّ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، يعتقدون بأن تغيير العادات يتمُّ من خلال إلقاء المواعظ وخطابات التهديد والوعيد فانُّهم إذن لا يعرفون طبيعة الإنسان ولا يقرأون التاريخ. وهم يحتاجون أن يقتنعوا بان التعامل مع ما حدث وما لايزال يحدث يمٌّر من خلال الاقتناع بأهمية وضرورة إجراء تغييرات كبرى في عالم المال والاقتصاد وفي الأسس التي تقوم عليها ظاهرة العولمة. وفي قمًّة هذه التغييرات إتخاذ كل الخطوات القانونية والتنظيمية لجعل القطاع المالي تابعاً وخادماً للقطاع الاقتصادي الإنتاجي وليس العكس. ذلك أن تجٌّمع الفوائض والأرباح المالية ودورانها بين أيادي قلًّة من المغامرين من مدراء البنوك والمحافظ الاستثمارية لا يعني نموُّاً حقيقياُ في الاقتصاد ولا يعني تحُّسنا في معيشة الغالبية من المواطنين. ولقد ظهر مؤخًّراً أنه في بلد كأمريكا يمثٍّّل القطاع المالي ثمانية في المئة من الناتج القومي الإجمالي ولكنُّ القائمين عليه يستأثرون بأربعين في المائة من الأرباح الأمريكية الكلية. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من النشاط المالي في ذلك البلد هو نشاط طفيلي يعيش على حساب الآخرين ويمتصٌّ رحيق جهودهم .القطاع المالي إذن يجب أن تقلًّم أظافره ويجب أن يعود كما كان سابقاً: قطاعاً مسؤولاً وملتزماً بقيم معقولة من الإنصاف والعدالة والشفافية وبعيداُ عن الجشع واللؤم والمغامرات العبثية والإندماجات فيما بين مؤسسات المال التي أنتجت مؤسُّسات عولمية ضخمة ومعقًّدة بحيث تصعب مراقبتها ومحاسبتها.
لقد سمح العالم لقطاع المال أن يكون اقوى من مؤسًّسات الإنتاج ومن مؤسًّسات التشريع والحكم، بل واستطاع أن يفسد السياسة ورجالاتها ومؤسًّساتها. فمن سيرجع المارد الذي خرج من القمقم إلى حيث يجب أن يكون؟ خلال سنة واحدة فضًّل رجال الحكم والسياسة السًّير في الطرق السًّهلةّ: أخذ أموال المواطنين لإنقاذ مؤسسات المال الفاسدة الفاشلة. ولقد نجح ذلك في منع الإنهيار والكساد الكاملين. ولكن شياطين البطالة المتزايدة وإمكانية عدم استرجاع تريليونات الدولارات من أفواه مؤسسات ورجالات المال وضعف وفساد مؤسسات المراقبة الدولية وهزال القطاعات الاقتصادية الإنتاجية .. هذه الشياطين تنتظر في الظلام لتخرج بعد حين وتفزع العالم كلًّه.
أما قادة العرب، وخصوصاً قادة دول الفوائض المالية النفطية التي بنت قطاعاً مالياً عربياً طفيلياً على حساب النمو الإقتصادي الإنتاجي والمعرفي، فان كل ما ذكر سابقاً ينطبق على ما جرى ويجري في مجتمعاتهم، بل وستكون مسؤولياتهم في المستقبل مضاعفة، إذ أن تشابك مصالحهم الشخصية مع مصالح مؤسسات ورجالات المال وصل إلى مراحل الجنون والعبث. وبالتالي لن يكونوا في منأى من حمل مسؤولية حلٍّ نفس الإشكالات الوطنية والعولمية على حدٍّ سواء. ومرًّة أخرى نقول لهؤلاء القادة: استعينوا برجالات المعرفة والحكمة الوطنية القومية بدلاً من مؤسسات المصالح الدولية الفاسدة وذلك قبل أن يصبح المستقبل غمامة سوداء حالكة.