أسرار وفضائح في مسيرة عطاء تجاوزت 70 عاماً (1-2)
طوني ضبط أمها بالجرم المشهود فغسل العار ودخل السجن
تزوجت منسي أمير الكمان والقمار عجل بوضع كلمة النهاية
حبيبة البسطاء.. شحرورة صادقت الملوك والرؤساء 
أولى صدمات حياتها مصرع شقيقتها نجاح بطلق ناري
آسيا داغر تبنتها فنياً وقدمتها في quot;القلب له واحدquot;
هربت من سيطرة والدها إلى قيود الشماس أبوصباح
أنياب الغيرة غرست في صدر الزوج فأبعدها عن أشعة الفن
بيروت - ربيع دمج
قلبها هو بوصلتها في الحياة وفي الأغنية معاً, القلب نفسه جعلها أسطورة في الفن ومدرسة بحد ذاتها, منها تعلم الكثيرون, ومن خبرتها الطويلة في الحياة استخلص العديد من الفنانين وغير الفنانين الحكمة والذكاء في التصرف واللباقة في الحديث, كما انها نموذج ومثال الأناقة لعديد من الفنانات, ومحط اعجاب الكثير من الرجال.
صادقت الملوك والرؤساء في العالم, كما كانت صديقة البسطاء وحبيبة القلوب ومعبودة الجماهير, هي الأسطورة التي حافظت على مكانتها الكبيرة في قلوب معجبيها حتى اللحظة, متجاوزة كل الانتقادات والشائعات, وكل المصاعب والأحزان التي أحاطتها.
من زمن الفن الجميل, زمان تملؤه أحلام الفساتين والفونوغرافات ورقصات الحب, من زمن الأبيض والأسود وصولاً الى زمن الديجيتال الحديث, استطاعت صباح شحرورة الفن المحافظة على مكانتها المرموقة, وأن تحفر توقيعها وبصمتها المميزتين على لوحة الفن الخالدة, لتكون واحدة من بين عمالقة الفن العربي وأعمدة التراث اللبناني بشكل خاص.
هي صباح أو جانيت فغالي ابنة جبل لبنان الأصيل في بلدة بدادون-قضاء بعبدا, أبصرت النور في 21 اكتوبر 1926 حسب سجل قيدها. ولكن هناك من يقول انها من مواليد 1918 وانها قامت بتصغير سنها 10 سنوات, بعدما دفعت مبلغا من المال لأجل ذلك , ومن يؤكد هذه المسألة هو المؤرخ الموسيقي روبير صفدي الذي يملك وثيقة قيد أصلية لصباح.
حيث ولدت ونشأت في عائلة متوسطة الحال ومؤلفة من 5 فتيات
و3 شباب أكبرهم شقيقتها الممثلة الراحلة لمياء فغالي, ومن ثم تأتي صباح في الترتيب الثاني للعائلة وأصغر اخوتها طوني.. أما والدها جرجي فغالي فكان يعمل حلاقاً رجالياً ووالدتها ليزا ربة منزل عادية, وقد اشتهر قبلها من عائلتها, عمها شاعر الزجل المعروف والمشهور جداً في لبنان حينذاك أسعد الفغالي الملقب بmacr;شحرور الوادي نظراً لعذوبة صوته وصلابته, وتقول صباح في العديد من مقابلاتها انها ورثت ذلك الصوت الجبلي القوي من عمها أسعد.
بدأت الحياة تظهر قسوتها مع صباح منذ أن كانت طفلة, فالى جانب حياة الفقر التي عاشتها في تلك المرحلة بعد تدهور الوضع المادي لوالدها, تلقت الشحرورة أول صفعة من الدنيا طبعت في ذاكرتها ولا تزال حتى اليوم, وذلك بعد مقتل أصغر أخواتها نجاح التي كانت في السادسة من عمرها, في حادثة مأساوية تصفها صباح بأنها من أقوى الصدمات في حياتها, وذلك عام 1932, خلال عرس أحد الأقارب في بلدة وادي شحرور الملاصقة لبدادون, وكانت العائلة بأكملها مجتمعة في باحة القرية, وبينما كان أحد الشبان يطلق النار في الهواء ابتهاجاً, أصابت احدى الطلقات رأس شقيقتها نجاح فقتلت على الفور, وانقلب العرس الى مأتم.
150 جنيها
مضت الأيام ومرت السنون حتى بلغت جانيت سن الmacr;14 وبدأت تظهر عليها بوادر الموهبة في الغناء, وفي احدى الحفلات المدرسية, وقفت لتغني وكان من بين الحضور قيصر يونس مدير اذاعة أميركا إف.إم ووكيل أعمال المنتجة اللبنانية المصرية آسيا داغر, وأعجب بصوتها وأدائها جداً, وعاد الى مصر ليخبر داغر عن اكتشافه لتلك الموهبة, جاءت آسيا الى لبنان والتقت بmacr;جانيت وأعجبت بها كثيراً, وبعد عودتها الى القاهرة أوعزت الى وكيلها في لبنان قيصر يونس لعقد اتفاق معها لثلاثة أفلام دفعة واحدة, وكان الاتفاق بأن تتقاضى 150 جنيهاً مصرياً عن الفيلم الأول ويرتفع السعر تدريجياً.
ذهبت الى مصر برفقه والدها ووالدتها ونزلوا ضيوفاً على داغر في منزلها بالقاهرة, وكلف الملحن رياض السنباطي بتدريبها فنياً ووضع الألحان التي ستغنيها في الفيلم, وفي تلك الفترة اختفى اسم جانيت الشحرورة وحل مكانه صباح في فيلم quot;القلب له واحدquot; و شاركها البطولة فيه أنور وجدي عام 1943, ويقول المؤرخ الموسيقي روبير صفدي ان السنباطي لاقى صعوبة كبيرة في تطويع صوتها وتلقينها أصول الغناء, لأن صوتها الجبلي كان ما زال معتاداً على الأغاني البلدية المتسمة بالطابع الفولكلوري الخاص بلبنان.
وعن بداياتها الفنية الأولى وزواجها الأول من نجيب شماس يقول صفدي: عندما جاءت جانيت الى القاهرة لتصوير فيلم القلب له واحد, رافقها والدها جرجي, فكان شديد السيطرة عليها, يتصرف بأموالها, ويوقع العقود السينمائية عنها. وما ان بلغت السن القانونية أي الثامنة عشرة, حتى هربت من والدها, لتتزوج من نجيب الشماس الذي لم يكن أقل من الأب في فرض القيود عليها وحرمانها من مكاسبها.
ومع أنها رزقت منه ابنها الأول الدكتور صباح شماس عام 1946, فانها لم تستطع الاستمرار في العيش معه في لبنان, الذي عادت اليه بعد زواجها فأقامت دعوى طلاق وصدر الحكم بها من قبل المحكمة الروحية المختصة.
كرت السبحة
أما كلودا عقل ابنة شقيقة صباح التي تجمع أرشيفاً مهماً عن خالتها ليكون مرجعاً لمسلسل تلفزيوني عن حياة الشحرورة فتقول: الرجل الأول كان نجيب الشماس, الزوج الذي قبلت به صباح ولم تختره, والفارق كبير بين الحالتين حيث كان في مثل سن أبيها أو أصغر ببضع سنوات, ومثل هذا الفارق في السن, بين رجل يريد أن يستقر, وبين فنانة في بداية الطريق, وأوج الشباب والجمال, لابد وأن يغرس في صدر الزوج أنياب الغيرة, وهذا أمر طبيعي, كما أن الزوج في مثل هذه الحالة يلجأ الى طريقة معروفة, فيهرب بالمرأة التي أحب الى حيث لا عيون, ونجيب الشماس اختار طرابلس لاقامتهما.
المدينة تبعد عن بيروت كثيراً, وبيروت هي البؤرة التي تتركز فيها أشعة الفن, صباح كفنانة لم تقبل بالعيش بعيداً عن العاصمة والقاهرة والفن, فطلبت الطلاق بعد زواج امتد فترة 5 سنوات.
بعد طلاقها من نجيب الشماس, وافقت صباح على الغناء في ملهى طانيوس في عاليه وكان ذلك في عام 1949, وهي تسعى الى أن تكون اطلالتها بمثابة مفاجأة للناس والمهتمين بشؤون الفن, وكانت المرة الأولى التي تتحمل مسؤولية عملها الفني كاملة.
في هذه الفترة, سرت شائعة حب ربطت بينها وبين أحد أثرياء العرب. وبالفعل لم يطل الأمر, حتى تزوجت صباح من أحد أمراء أواخر عام 1949, ودام هذا الزواج شهراً واحداً تم بعده الطلاق بسبب عدم قبول صباح اعتزال الفن بناءً على طلب زوجها.
بعد الطلاق الثاني انتقلت مجدداً الى القاهرة ليتزاحم عليها نجوم السينما الشباب وكبار المخرجين.
الصدمة الثانية
أثناء وجودها في القاهرة وفي عز انشغالها بعقود الحفلات وتصوير الأفلام, تلقت صباح خبراً هز كيانها وأسقطها أرضاً, ففي عام 1950 وبينما كانت تقوم بتصوير فيلم ازاي أنساك مع فريد الأطرش, تلقت صباح اتصالاً من شقيقتها سعاد تخبرها فيه بأن والدتهما قتلت على يد طوني الأخ الأصغر.
في اليوم التالي استقلت صباح الطائرة المتجهة الى بيروت, وعند وصولها الى بلدة بدادون رأت السواد يحيط بالبلدة والسكون يخيم عليها, الأم مقتولة والأخ في السجن والسبب كما تناقله أهالي القرية وصل الى مسامع طوني أن والدته على علاقة غير شرعية مع صاحب دور سينما ومسرح في بيروت من آل عيتاني, وأن طوني كان يراقب والدته طيلة تلك الفترة, حتى قبض عليها بالجرم المشهود فأرداها قتيلة!
أما صباح فتقول عبر مذكراتها ان بعض الجيران وشوا الى طوني بأخبار كاذبة, فجن جنونه نظراً لصغر سنه وطيشه وارتكب الجريمة الشنعاء بحق امه.
وبعد مرور 3 أشهر على تلك المأساة وتماثل صباح للتعافي من الصدمة النفسية التي تلقتها, قررت العودة الى القاهرة عام 1951 لتستأنف نشاطها الفني من جديد, وبقي شقيقها في السجن لفترة من الزمن.
خلال تواجدها في القاهرة وتصويرها العديد من الأفلام الى جانب فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ورشدي أباظة واقامتها العديد من الحفلات, تعرفت في هذه الفترة على عازف الكمان الشهير أنور منسي الملقب بأمير الكمان وذلك عام 1953, حيث اعتادت صباح أن تغني, ويرافقها منسي مع الفرقة الموسيقية بالعزف على كمانه. ومن خلال اللقاءات المتتالية, كان أنور يبادل صباح الاعجاب الذي تحول فيما بعد الى حب.
وبدا لصباح أنها وقعت في الحب مجدداً, ففي الوقت الذي كان أنور يرافقها بعزف لحن جديد لأغنية ستؤديها في فيلم بعنوان لحن حبي, اتخذت القرار بالزواج منه, ورزقت بابنتها هويدا عام 1954, غير أن هذا الزواج انتهى أيضاً بالطلاق لأسباب منها أن أنور كان يحب المقامرة, ويتعرض لصباح بالضرب عندما كانت ترفض أن تعطيه المال اللازم للمقامرة.
وهناك من يعزو أسباب الفشل الى أن أنور كان فناناً, كما كان وسيماً وأنيقاً للغاية, ميالاً الى المظاهر, ومنها السيارات الفارهة, وكانت الصفات لصالحه, وتزوجا بعد قصة حب قصيرة, كانت صباح أيضاً بزواجها من مصري, ترغب في توطيد دعائم اقامتها على أرض مصر. هذه الحيثيات كلها جعلت عازف الكمان البارع, أنسب الأزواج, ولكن أعماق أنور كانت تحمل أحلاماً كبيرة, أولها أن يصبح ممثلاً الى جانب كونه عازفاً, ولعل هذا هو السبب, في أنه ظهر كثيراً في الأفلام, ليؤدي دوره في الحياة نفسه, أي عازف الكمان وخاصة في أفلام أنور وجدي, حيث كانت الكاميرا تركز عليه, وهو يعزف على الكمان في مقدمات أغاني ليلى مراد.
ولكن قطار التمثيل توقف به عند هذه المحطة الأولى. وكان كلما ارتفعت كفة نجاح صباح درجة, شعر بأن كفته تهبط بالمقدار عينه, واذا كان نجيب الشماس قد هرب الى طرابلس, فهروب أنور كان الى المقامرة وليس الى مكان آخر!
ومن هذه الكوة, أطل الخلاف على الشقة السعيدة المستقرة على شاطئ نيل القاهرة, وغادرها أنور ذات صباح بعد شجار الى شقة مفروشة في وسط المدينة. وبعد أسابيع تم الطلاق, لينهي زواج دام 4 سنوات.
موسم عز
بعد هذه المرحلة عادت صباح الى بيروت وتحديداً بعد ثورة يوليو ومرحلة التأميم وبقيت في لبنان لمدة طويلة, شاركت خلالها في بطولة أول مسرحية غنائية لها بعنوان موسم عز من اخراج الأخوين الرحباني, كما شاركت في مهرجانات بعلبك وجبيل, وكانت تحقق النجاح تلو النجاح..
بعد هدوء الوضع السياسي والأمني في مصر, عادت صباح لتشارك في عدة أعمال فنية, في تلك الفترة عام 1960 حيث شاركت بأوبريت فني ضخم حمل عنوان وطني الأكبر الى جانب مجموعة كبيرة من نجوم الغناء في العالم العربي منهم عبد الحليم حافظ ووردة وشادية ونجاة الصغيرة ومن ألحان محمد عبد الوهاب. كما تلقت صباح عرضاً للمشاركة في فيلم امرأة وثلاثة رجال, تريثت في القبول لتقرأ السيناريو ولترجع من لبنان لأنه كان لديها عقود لحفلات غنائية هناك..
أثناء وجودها في لبنان, سرت شائعة تقول بأن صباح ستعود الى زوجها الأول, ولكن ما ان عادت الى القاهرة حتى تبددت الشائعة لتنتشر أخرى فحواها أن قصة حب تجمع بين صباح والاعلامي أحمد فراج توجت بالزواج, لكن سارع الاثنان: صباح وأحمد الى نفيها غير ان القصة كانت حقيقية, وقد تزوج الاثنان, وما جعل صباح تعجب بأحمد أنها, وجدت فيه رجلاً يختلف عن كل الرجال الذين عرفتهم, فهو يحسب تصرفاته ويحترم نفسه, ومعنى هذا أنه اذا تم الزواج بينهما, فانه سيحسن تصرفاته معها ويحترمها.
ومنذ الشهر الأول وضح الاختلاف بين عقليتيهما وطباعهما, فهي فنانة وهو متدين. فقد طلب منها ارتداء اللباس المحتشم, والغاء رقة الصوت في أغنياتها, والابتعاد عن الدلال في تصرفها, وعدم تقديم المشروبات الروحية لضيوفها. وكان ينصت لمكالماتها الهاتفية, ويشك في كل تصرفاتها.
أحست صباح بالاختناق وأدركت أن هذا الزواج لن يدوم فرفضت فكرة الانجاب. وبعد ثلاث سنوات تم الطلاق بين صباح وأحمد في ربيع سنة 1963.
وما ان تم الطلاق, حتى قالت صباح بشكل مقتضب: ان أخلاق أحمد وطباعه تختلف عن أخلاقي وطباعي. لقد حاولت أن أوفق بين ما يريده هو وما أريده أنا, فكانت النتيجة التي سببت الانفصال.
بعد المشاركة في اوبريت وطني الأكبر والعديد من الأعمال المصرية وتبرعها بعائدات حفلاتها التي أقامتها في مصر لصالح المجهود الحربي, قام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بمنحها الجنسية المصرية عام 1963 تكريماً لها وعن ذلك تقول صباح في احدى مقابلاتها: منحني عبد الناصر الجنسية المصرية ولم يسحبها مني كما تردد, بل أنا من تخليت عنها, لأنني كلما أردت السفر لزيارة لبنان للغناء, كان علي الانتظار طويلا للحصول على اذن السفر, وفي احدى المرات بعدما حصلت عليه, وكنت في الطائرة متوجهة للمشاركة في quot;مهرجانات بعلبكquot;, تم انزالي من الطائرة واخباري أنه علي التوجه أولاً لاحياء حفل بالجزائر.
واستكملت القصة قائلة: اتصلت بالموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب بعدما نزلت من الطائرة وأنا أبكي, وسردت له ما حدث, وبعدها بدقائق اتصل بي الوزير عبد القادر حاتم, وأبلغني أن المشكلة تم حلها.
عاد الحزن من جديد ليطرق باب الشحرورة, وهذه المرة بفقدان والد ابنتها والزوج السابق والصديق أنور منسى, اذ تلقت صباح في صبيحة أحد الأيام من عام 1965 اتصالاً يخبرها بأن أنور سقط من على حصانه بينما كان في نزهة في احدى القرى المصرية ومات على الفور, ومن جديد تحاملت على جراحها وسلمت أمرها لله, وقررت العودة الى لبنان لتمضية فترة من الوقت ولتأخذ قسطاً من الراحة, وغداً نكمل تفاصيل زيجات الصبوحة. (يتبع)
