كان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أول من أكد مشاركته وحضوره في المؤتمر الاقليمي الذي ينظمه رئيس الحكومة العراقي مصطفى الكاظمي في 28 من الشهر الجاري في بغداد. وهي الزيارة الثانية، إذا حدثت، التي يقوم بها ماكرون الى العراق بعدما زار بغداد في طريق عودته من بيروت في 2 أيلول (سبتمبر) 2020. وكان الكاظمي لبّى دعوة ماكرون بزيارة قام بها الى باريس في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي.

تطمح باريس منذ عهود الرؤساء السابقين لماكرون، من نيكولا ساركوزي الى فرنسوا هولاند لإقامة علاقة سياسية واقتصادية مميزة مع العراق. فمشاركة ماكرون الى جانب قيادات عديدة لم يتم بعد الإعلان عن أسمائها الكاملة مهمة لكل من العراق وفرنسا التي وصفت على لسان رئيسها سياسة الكاظمي بـ"المتوازنة". فيما يتخبط العراق اليوم بين التأثير الأميركي والنفوذ الإيراني. ويبذل الكاظمي بصعوبة جهوداً للتخلص من سيطرة ايران على القرار الداخلي وهو حاول خلق توازن بين علاقته مع الإدارة الأميركية وحلفائها الغربيين وعلاقته الصعبة مع ايران . ودعا رئيس الوزراء العراقي، قيادات دول الخليج للحضور وأيضاً الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي اكد حضوره، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان ومسوؤلين أميركيين ويابانيين وبريطانيين. واستثنى دعوة جاريه السوري بشار الأسد واللبناني ميشال عون .فالعراق بغنى عن دعوتهما طالما ان النافذ الأكبر في الدولتين ايران سيحضر او سيمثل في المؤتمر الإقليمي.

العراق اليوم هو ساحة مواجهة بين إيران والولايات المتحدة، احتدّت في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عندما قتلت القوات الأميركية العام الماضي قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، والذي كان يعتبر نفسه الحاكم العسكري الإيراني في كل من العراق وسوريا ولبنان. وأمضى الشعب العراقي سنتين يتظاهر ضد الفساد والظروف المعيشية الصعبة في البلد ورفضاً للتبعية لإيران أو لأميركا . وترى فرنسا أنه يمكنها في مثل هذا الظرف ممارسة دور في توطيد العلاقة الثنائية مع العراق على ان تكون خياراً يتميز عن التأثير الإيراني والأميركي. ولفرنسا موقع دبلوماسي مرموق على الساحة العراقية خصوصاً بعد تدخلها ومشاركتها في التحالف ضد "داعش" في العراق، فيما يحتاج العراق الى تطوير بنيته التحتية على كل الاصعدة من سكك الحديد الى المترو والطرق والسكن والتعليم.

واكد ماكرون استعداده مراراً لمساعدة العراق في استعادة سلطته الذاتية وتثبيت استقرار البلد الذي لا يزال يعاني من أوضاع أمنية صعبة بسبب زعزعة إيران استقراره عبر الحشد الشعبي وغيره من حلفاء إيران. ويعوّل الكاظمي على انطلاق الحوار الإيراني - السعودي الذي بدأ في بغداد على صعيد دبلوماسي بين البلدين. أما طموح الكاظمي من تنظيم المؤتمر الإقليمي فهو يكمن في دفع التفاهم والسلام بين الدول المتنازعة في المنطقة بمساعدة قوى الغرب ومن بينها فرنسا.

في المقابل، تتطلع فرنسا إلى دفع روابطها بهذا البلد الغني الذي يحتاج الى الكثير على الصعيد الاقتصادي. فهناك استثمار ضخم تقوم به شركة توتال في العراق في حقل رمطاوي حيث ستزيد انتاجه في شكل ملموس مع انشاءات إنتاج الغاز المصاحب وأيضا مصنع لإنتاج الطاقة الشمسية. وقد يتم توقيع هذه المشاريع خلال زيارة ماكرون الى العراق اذ أن رئيس شركة "توتال" باتريك بوياني سيكون موجوداً في بغداد مع الوفد الفرنسي. واللافت ان "توتال" تستعد لهذا العقد الضخم في وقت يستعد عدد من الشركات العالمية العملاقة للخروج منه على سبيل المثال BP و"شل" وأيضا "أكسون "في مقابل تزايد الاستثمارات الصينية المهمة في قطاع النفط العراقي.

يُنتج العراق حالياً اكثر من 4 ملايين برميل من النفط يوميا وقدرته الإنتاجية 5 ملايين برميل في اليوم ولكن البلد يعاني من فساد وعدم استقرار أبقياه في حالة اقتصادية سيئة. وتعوّل فرنسا بشدة على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع العراق علماً أنها ما زالت ضعيفة. فقطاع الاعمال الفرنسي متردد في الاستثمار في بلد تُعتبر المخاطر فيه كبيرة . فالسوق العراقية هي إما تحت سيطرة الدولة او أن قطاع الاعمال الخاص العراقي مرتبط بشركات تابعة لميليشيات إيرانية. ولكن الكاظمي يطمح الى دفع العلاقة مع فرنسا وادخالها في القطاع الاقتصادي العراقي بقوة اذ أن باريس تمثل في نظره بلداً حيادياً وهي عضو دائم في مجلس الامن تربطه علاقات صداقة بدول الخليج والولايات المتحدة وإيران.

ولكن السؤال يبقى، هل قطاع الاعمال الفرنسي الخاص مستعد للمجازفة في مشاركة ميليشيات إيرانية تسيطر على الاعمال في العراق؟