تميزت الانتخابات المحلية الجزئية التي أجريت يوم السبت الماضي في عدد من بلديات محافظتي بجاية وتيزي وزو الجزائريتين بإقبال متوسط. ورغم ذلك فقد اعتبرت السلطات الجزائرية هذا النوع من الإقبال تحوّلاً مهماً في الموقف السياسي لمنطقة القبائل الأمازيغية من النظام الحاكم، ويعني هذا التغير في الموقف أن حركة تقرير المصير في منطقة القبائل "الماك" التي تطالب بانفصال هذه المنطقة لم تنجح في فرض المقاطعة كما كانت تتوقع قيادتها والمنخرطون في نشاطاتها السياسية التي يصفها النظام الجزائري بالمتطرفة، وقد وضعها بسببها على لائحة الإرهاب. 
 
في هذا الخصوص بالذات أبرزت جهات إعلامية عربية أن هذا الحدث الانتخابي هو نهاية للمقاطعة التي تعودت عليها منطقة القبائل في استحقاقات انتخابية سابقة.

ولكن تأويلات هذه الجهات الإعلامية غير دقيقة ولا تنطبق على حقائق الواقع الأمازيغي عبر كل محافظات الجزائر، فمحافظة (ولاية) تيزي وزو ومحافظة بجاية لا تمثلان الأغلبية الجغرافية والسكانية الأمازيغية، وإنما هناك أيضاً محافظات أمازيغ كبرى مثل بومرداس المتاخمة للجزائر العاصمة، وخنشلة، وباتنة، والبويرة، وجغرافيا الطوارق وبني مزاب الخ...، وهي كلها محافظات استراتيجية من كل النواحي، فضلاً عن تميزها بشبكة المواصلات التي تصل الشرق بالغرب الجزائريين وتربط أيضاً مدن الوسط والشمال. 
 
أهمية منطقة القبائل
ولكن تحليل البنية العميقة للتكتيك السياسي الذي تنطوي عليه أهمية منطقة القبائل الأمازيغية التي تمثلها محافظتا بجاية وتيزي وزو يفضي بنا إلى القول إنه صحيح أن عدد البلديات التي أجريت فيها هذه الانتخابات الجزئية قليل، حيث بلغ عددها أربع بلديات في محافظة بجاية وبلديتين في محافظة تيزي وزو، لكن مراقبين سياسيين جزائريين يرون أن المهم في هذه الانتخابات الجزئية ليس عدد البلديات وإنما تغير الموقف السابق للمواطنين القبائليين والمتمثل في المقاطعة التي عرفتها انتخابات 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، إذ يعتبرون هذا التغير في الموقف منعرجاً سياسياً يصب مباشرة في مصلحة النظام الحاكم. 

وهنا ينبغي التفكير ملياً بأن منطقة القبائل تتميز تاريخياً بالتمرد على السلطة وما يحركها ليس عدد المقاعد التي تحصل عليها وإنما قضية الهوية الثقافية والتاريخية.  
وعلى أساس ذلك فقط يمكن لنا فهم المقاطعة التي تعودت عليها هذه المنطقة في كثير من المناسبات الانتخابية.
 

ففي تقدير مراقبين سياسيين بيّنت التجربة أن الذي حدث في هذه الانتخابات الجزئية هو تطبيق السلطة نظرية الهيمنة التي جربتها في شكل تحويل الصراع من صراع بينها وبين بعض ممثلي منطقة القبائل إلى صراع بين أحزاب الموالاة، ومعها بعض أحزاب المعارضة، وبين شرائح المواطنين الممثلين في القوائم الحرة التي خاضت الانتخابات بمفردها وتمكنت من الفوز بأغلبية مقاعد هذا الاستحقاق الانتخابي. 
 
بهذا التكتيك تمكنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات من تشظية قوى المعارضة ومن نزع فتيل المقاطعة للانتخابات الجزئية، أو لنقل المجهرية في منطقة القبائل التي لا تمثل إلا جزءاً من الكيان الأمازيغي الكبير عبر الوطن. 
 
مشاركة "القوى الاشتراكية"
في تقدير محللين سياسيين جزائريين أن أهمية هذه الانتخابات الجزئية بالنسبة الى السطات الجزائرية تتمثل جوهرياً في مشاركة أعرق حزب معارض جزائري سابق وهو "حزب القوى الاشتراكية " الذي أسسه الأمازيغي المرابطي الراحل حسين آيت أحمد فور استقلال الجزائر وتحوّل على يديه إلى منبر سياسي مناهض لحكم كل من الرؤساء الجزائريين السابقين وهم أحمد بن بلة و هواري بومدين والشاذلي بن جديد. 
 ومن جهة أخرى، فإن استقطاب النظام الجزائري هذا الحزب في هذه الانتخابات البلدية المحلية يعتبر ضربة قوية للمعارض كريم طابو الذي كان أحد قادة حزب القوى الاشتراكية في عهد آيت أحمد ثم انشق عنه بعد اتهامه هذا الحزب بالذات بأنه لم يعد حزباً معارضاً. 
 
من المعروف أن كريم طابو البرلماني السابق أسس حزباً معارضاً بديلاً يحمل اسم "حزب الاتحاد الديموقراطي الاجتماعي"، ولكنه لم ينل الاعتماد الرسمي في مرحلة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة ولا يزال حتى يومنا غير مقبول، علماً أن طابو اعتقل مرتين، مرة بتهمة المساس بمعنويات الجيش وجراء ذلك صدر ضده حكم بالسجن لمدة ستة أشهر، ومرة أخرى صدر ضده حكم آخر بالسجن لمدة سنة كاملة بتهم كثيرة منها انتقاده اللاذع لرئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الراحل الفريق قائد صالح. 
 
وفي الواقع فإن السلطات الجزائرية تنظر إلى كريم طابو والمجموعة التي تنشط معه أو بجواره كجزء عضوي من فسيفساء التيار الذي يضم تشكيلات متهمة بممارسة لعبة المساس بالوحدة الوطنية وبالارتباط بأجندات خارجية مغرضة، مع العلم أن أغلب هذه التشكيلات توجد في خارج الجزائر ولكن لها امتدادات في الجزائر العميقة وتوصف بـ"الشبحية". من بين هذه التشكيلات على سبيل المثال حركة "رشاد" الإسلامية التي تحاول أن تأخذ مكان الأحزاب الإسلامية الجزائرية التي صارت مقلمة الأظفار، أو محظورة مثل "جبهة الإنقاذ الاسلامية"، وحركة تقرير المصير في منطقة القبائل ("الماك") فضلاً عن ناشطين سياسيين آخرين متهمين أيضاً بالعمل ضد ما يوصف بالأمن الوطني وذلك انطلاقاً من منصات وسائل التواصل الاجتماعي في فرنسا وبريطانيا وغيرها.

 وفي الحقيقة فإن مشاركة أحزاب الموالاة، وهي "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديموقراطي" و"حركة الشباب الجزائري" و"جبهة المستقبل"، في هذه الانتخابات المحلية الجزئية ليست لها أية أهمية تذكر لأنها في نظر كثيرين محسوبة على النظام الحاكم وتصنف كواجهة له.
 
ولكن السلطات الجزائرية لم تضع بيضها كلّه في سلة أحزاب الموالاة، بل تمكنت هذه المرة من استقطاب جزء مهمّ من تكتلات المجتمع المدني الذي تشكل في قوائم حرّة وخاض هذه الانتخابات بعيداً من التخندق الحزبي أو الولاء للسلطة. 
 
في هذا السياق أكد محمد شرفي، رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، خلال العرض الذي قدمه للصحافة الوطنية التابعة للدولة وللقطاع الخاص وبعد فرز الأصوات أن القوائم المستقلة حصدت 74 مقعداً من أصل 90 مقعداً.
 
لا شك في أن هذه النتيجة تمثل ظاهرياً صفعة قوية لأحزاب الموالاة أمّا في العمق فإن العارفين بخبايا العمل السياسي التكتيكي لهذه الأحزاب منذ إنشاء التعددية الحزبية الفولكلورية في الجزائر في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، فيرون أن خسارة هذه الأحزاب شكلية لأن الرابح الأكبر في هذه الانتخابات الجزئية في منطقة القبائل هو النظام الحاكم الذي تمثل هذه الأحزاب أقنعته وواجهته السياسية.