ما هي التحولات الإيجابية التي ستشهدها العلوم، إذا ساد الكوكبَ نظام عالمي يحترم القيم الإنسانية والقانون الدولي؟ مطلع الفجر سيكون انكشاف أمر «علم صناعة التجهيل». ظهر هذا العلم قبل ثلاثة عقود: «أجنوتولوجيا». المصطلح ليس مزاحاً فهو أحد فروع علم الاجتماع يعنى بدراسة التضليل وتحريف الحقائق والتشكيك في ما هو ثابت باستخدام العلوم أو الاستدلال العلمي وبث الارتياب في النتائج العلمية.

إذا كان المصطلح قد ظهر في منتصف العقد التاسع الماضي، على يد أستاذ تاريخ العلوم في جامعة ستانفورد، اشتقاقاً من اليونانية «أجنوسيس»، عدم المعرفة، فإن ممارسة التضليل والتجهيل أقدم بكثير، من الأشياء الاستهلاكية، عديمة الأضرار أو قليلتها، إلى ذوات الآفات الصحية كالتبغ. كيف يرضى العلماء أن يكونوا شهود زور في القضاء العلمي؟ لكن هو ذا واقع العلوم الذي تتنمر فيه الأجنوتولوجيا وتتنكر لقيم العلوم باسم العلوم.

في محاضرة للعالم البيولوجي، الأستاذ في «المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي» الفرنسي، بيار هنري جويون تحت عنوان «انهيار التنوع البيئي»، يقول: «في قمة الأرض الأولى في ريو دي جانيرو البرازيلية سنة 1992، شارك آلاف العلماء، واختتمت القمة بتوصية في شأن أخطار ارتفاع حرارة الأرض وأسبابها. لكنها قوبلت عالمياً بصمت مطلق». في اليوم الأول لانعقاد القمة ذاتها، صدر نداء هايدلبيرج الذي جاء بتوقيع أربعة آلاف عالم وخبير ينتمون إلى مؤسسات علمية في 69 بلداً من بينهم 72 حازوا جائزة «نوبل». عجباً، شهود زور من أرفع مستوى علمي. يقول البروفيسور جويون: «كانت وراء النداء شركات التبغ وأخرى تعمل في صناعة المواد السامة»، ويعلق بسخرية: «إذا دعوتَ إلى الحفاظ على البيئة ومستوى حرارة الأرض، فأنت رجعي تدعو إلى العودة إلى الشموع». المحاضرة تسعون دقيقة فكيف يجيزها القلم في دقيقتين؟

سنة 1953 اجتمع كبار صناعة السجائر وقرروا أن أفضل طريقة للوقوف في وجه الدراسات العلمية المعارضة للتدخين، هي دعم البحوث العلمية التي ترى أن أسباب سرطان الرئة متعددة، بالتالي يجب دعم البحوث القائلة بتعدد أسباب سرطان الرئة.

لكن ماذا عن انهيار التنوع البيئي؟ يقول جويون: «ما الذي حدث قبل 30 عاماً؟ تغيّر استعمال المبيدات. قبل ذلك كانت تستعمل حين تظهر آفة، فصارت تستخدم منذ البداية مع البذور، فباتت تودي بحياة النحل والفراش والطيور».
لزوم ما يلزم.: النتيجة التفاؤلية: إذا تغير النظام العالمي وصار له ضمير، فإن العلوم لن يكون لها ضمير مستتر.