من الأمور المعروفة والموثقة أن المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، استقبلت في السنوات التالية لاكتشاف النفط فيها سنة 1938 الكثير من أبناء البحرين ممن وجدوا في ظهور النفط وتصديره من جارتهم الأقرب إليهم جغرافيًا وطبيعيًا واجتماعيًا فرصة للعمل، خصوصًا وأن كل المؤشرات آنذاك كانت تفيد بأن المنطقة مقبلة على نهضة عمرانية وتجارية وصناعية متنوعة. هذا ناهيك عن أن الكثير من الخدمات الضرورية، من تلك التي تحتاجها صناعة الزيت الجديدة والعاملين في دوائرها، كانت غير متوفرة في تلك الحقبة المبكرة في مدن المنطقة الشرقية.

وهكذا شهدت مدن مثل الخبر والدمام والظهران نزوح بحرينيين كثر إليها، ولاسيما في سنوات الأربعينات والخمسينات والستينات، سواء للعمل أو الإستقرار. ويمكن تقسيم هؤلاء إلى عدة فئات بحسب تخصصاتهم ومجالات نشاطهم. فمنهم مثلا فئة العمالة الماهرة التي تدربت لدى شركة نفط البحرين (بابكو) واتقنت اللغة الإنجليزية، وبالتالي كانت مؤهلة للعمل لدى شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في وظائف فنية وتقنية، ومنهم الذين اتقنوا مهن النجارة واللحام والبناء والتمديدات الكهربائية وما يوازيها فحصلوا على فرص عمل تناسبهم في مشروع خط التابلاين العملاق لنقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء صيدا في جنوب لبنان بطول 1664 كلم والذي بدأ العمل فيه عام 1948 وتم انجازه عام 1950، فباشروا عملهم في قلب الصحراء تحت لهيب الشمس الحارقة ووسط رمال الدهناء الوعرة، مشاركين أشقاءهم السعوديين الجهد لتحقيق المستحيل.

ومنهم أيضا أصحاب الياقات البيضاء ممن درسوا وحازوا على الشهادات العلمية وشهادات الخبرة، فعملوا في الوظائف الإدارية وأعمال الترجمة والعلاقات العامة لدى شركة أرامكو والقنصلية الأمريكية بالظهران، ومن بين هؤلاء عدد معتبر ممن استعانت بهم أرامكو في أعمال التصوير والإخراج والدبلجة والتعليق والإدارة حينما أطلقت محطتها التلفزيونية الأثيرة من الظهران في 16 سبتمبر 1957.

ويضاف إلى من سبق الإشارة إليهم فئة التجار المؤقتين او الموسميين المعروفين عند العامة بـ«الشريطية» (مفردها شريطي)، وهؤلاء كانوا يتنقلون ما بين البحرين والسعودية بحرًا عبر فرضتي المنامة والخبر، حاملين معهم بضائع متنوعة بكميات قليلة لبيعها في الأسواق الشعبية في الخبر والدمام والثقبة، وبالتالي كانت إقامتهم وأنشطتهم مؤقتة ومحددة بتصريف بضائعهم. ويمكن أن نضيف إلى هذه الفئة أولئك الذين كانوا يترددون على المنطقة الشرقية لتسويق بضاعتهم من اللآلي الطبيعية والأحجار الكريمة لدى متاجر المجوهرات أو لدى الأسر الأمريكية القاطنة في الظهران وغيرها من مدن النفط الحديثة، وأيضًا النواخذة ممن كانوا يسيرون المراكب الشراعية الناقلة للبضائع والمسافرين ما بين فرضتي المنامة والخبر.

وكان هناك بطبيعة الحال بحرينيون كثر استقروا لسنوات طويلة في الخبر للعمل في القطاع الخدمي مثل المصارف الوطنية والأجنبية ووكالات السفر والسياحة واستوديوهات التصوير والمطاعم والفنادق وورش النجارة وأنشطة النقل.

على أن الفئة الأكبر عددًا كانت فئة التجار سواء ممن كانوا يملكون محال تجارية معروفة في البحرين وأرادوا مد نشاطهم إلى المنطقة الشرقية للإستفادة من موجة تزايد الطلبات على السلع الاستهلاكية والكمالية كنتيجة لتحسن دخول المقيمين والوافدين من الجنسيات الأجنبية، أو ممن أسسوا نشاطهم التجاري إبتداء من الخبر، أحد هؤلاء هو التاجر العصامي عبدالجليل عبدالكريم الأنصاري الذي سيكون محور حديثنا في الأسطر التالية.

 ولد «عبدالجليل عبدالكريم أحمد عبدالكريم الأنصاري» في «فريج الجلاهمة» بمنطقة الحالة من المحرق في السادس من أبريل عام 1944 ابنًا ثانيًا لأسرة من ستة أبناء كان ربها «عبدالكريم أحمد عبدالكريم الأنصاري» قد نزح إلى البحرين من المدينة المنورة في عشرينات القرن الماضي للاستقرار والعمل في تجارة الأرزاق.

تلقى عبدالجليل تعليمه الإبتدائي بمدرسة الهداية الخليفية (أولى مدارس البحرين النظامية وأقدمها)، واتبعه بعدد من الكورسات في اللغة الانجليزية والأعمال التجارية، مكتفيًا بذلك لخوض العمل مع والده في بداية الأمر وهو في سن الخامسة عشرة، لكن بعد فترة وجيزة قرر أن يستقل عنه ويؤسس لنفسه تجارته الخاصة. وفي عقد الستينات سافر بحرًا إلى الخبر لزيارة شقيقيه أحمد وعبدالله اللذين سبقوه إلى الأخيرة للعمل، فطاب له مناخ الأعمال والأنشطة التجارية هناك، ما دفعه للتردد بانتظام على الخبر لاستكشاف فرص يحقق من خلالها طموحاته التجارية. وسرعان ما راودته فكرة تأسيس محل للأثاث والمفروشات، خصوصًا وأن المنطقة الشرقية كانت تعيش آنذاك فورة بناء وتعمير للمنازل والشقق السكنية، وكانت محلات الأثاث فيها محدودة جدًا، بل كان الموجود منها لا يعرض سوى الأثاث التقليدي القديم.

يقول الأنصاري في حوار صحفي إن بدايته في مجال الأثاث والمفروشات كانت من خلال قيامه باستئجار محل من فتحتين ضمن عمارة حديثة مملوكة لحاكم قطر الأسبق الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني بشارع الأمير ناصر بالخبر (خلف شارع الملك خالد باتجاه الغرب). ويتذكر الأنصاري أنه لم يكن يملك وقتذاك مقدم الإيجار ليدفعه للوكيل السعودي لحاكم قطر الشيخ عبدالرزاق قمبر، لكن من حسن حظه ان قمبر تفهم وضعه وأعجب بطموحاته، فلم يطالبه بمقدم الإيجار وقال له «توكل على الله».

خطوته التالية كانت تزويد محله بالبضائع، ولهذا الغرض استدان وسافر إلى الكويت، التي سبق له العمل بها لبعض الوقت في إحدى الشركات، وقام بنفسه بعملية انتقاء الأثاث وشرائه وتحميله على شاحنات نقل إلى الخبر، حيث اعتاد في البدايات أن يباشر بنفسه أعمال البيع والتنظيف والذهاب إلى المنازل لتركيب قطع الأثاث المباعة، ولم يكن لديه سوى عاملين من الجنسية اليمنية للتحميل والتنزيل. وشيئًا فشيئًا راح الحظ يبتسم معه، واشتهر محله في اوساط المقدمين على تأثيث منازلهم الجديدة بسبب جودة بضائعه وحسن تعامله، ما شجعه على توسعة مساحة محله والانطلاق نحو أنشطة أخرى مختلفة. هنا واجهته المشكلة التي كان يعاني منها معظم البحرينيين العاملين في التجارة بالسعودية وقتذاك، والمتمثلة في النظام الخاص بالملكية، بمعنى أن من لا يحمل الجنسية السعودية، حتى لو كان من رعايا دول الخليج العربي، لا يحق له تملك محله أو مسكنه وتسجيلهما بإسمه.

يقول الأنصاري إن هذا شكل عائقًا أمام طموحاته في التوسع والانخراط في أعمال ومشاريع تجارية متنوعة، فبدأ يدرس الخيارات المتاحة، مع استبعاد الالتفاف على النظام عبر تسجيل نشاطه باسم مواطن سعودي. ولما ضاقت خياراته سافر إلى البحرين لاستشارة والده الذي نصحه باللجوء إلى الشيخ علي بن محمد بن عيسى بن علي آل خليفة والتواصل معه عله يجد حلا. وبالفعل تحدث الأنصاري مع الشيخ علي الذي أخبره أن الملك فيصل صديقه، وهو مستعد لإعطائه رسالة توصية إلى الفيصل من الديوان الأميري البحريني.

أخذ الأنصاري رسالة التوصية وطار بها سعيدًا ومتفائلاً إلى الرياض التي وصلها في الأول من رمضان من سنة 1386 للهجرة (25 نوفمبر 1966)، حيث تشرف بمقابلة الفيصل في منتصف الليل بسبب طبيعة عمل جلالته خلال شهر رمضان. وبهذا اقتفى الأنصاري أثر ما قام به التاجر البحريني البحريني المعروف الشيخ عبدالرحمن بن الحاج عبدالوهاب الزياني، حينما ذهب شخصيًا إلى الرياض في خمسينات القرن العشرين بهدف الالتقاء بالمغفور له الملك سعود وطلب ترخيص من جلالته لمزاولة العمل التجاري والتملك.

تحدث الأنصاري عن تفاصيل لقائه بالفيصل فأخبرني قائلاً: «قابلت الملك فيصل رحمه الله.. أمسك بيدي وأجلسني بجانبه.. سألني عن البحرين وشيوخها وأحوالها.. وقال لي (سنأمر لك بالرخصة ولكن ما رأيك بأن نعطيك التابعية السعودية؟)، قلت له: (يا صاحب الجلالة، لا يوجد أي فرق بين الأحمر والأخضر). يضيف الأنصاري:»فهم الملك ما قصدته وقال لي: (بارك الله فيك لم تبع وطنك وبلدك من أجل مصلحتك الخاصة، أذهب وبابي مفتوح لك بأي وقت). توقف الأنصاري هنا ليوضح أن ما قاله، في حضرة الفيصل، كان من منطلق اعتزازه بالجنسية البحرينية فقط، (وإلا فإن البحرين والسعودية بلد واحد، وشعب واحد ومصير واحد.. نحن احتضناهم في الماضي وهم يحتضنونا في الحاضر).

والحال أن الانصاري خرج من عند الفيصل بعد أن أمر له جلالته برخصة للتملك ومزاولة الأعمال التجارية في الرياض والمنطقة الشرقية من خلال رسالتين موجهتين إلى وزير التجارة عابد شيخ وأمير منطقة الرياض. وعليه قام بتغيير المسمى التجارى لمؤسسته من «البيت الجديد» إلى «مؤسسة الأنصاري»، وبدأ في العمل مع شركاء في الرياض، وراح يزور معارض الأثاث العالمية ويستورد أفخم الأثاث للقصور والفلل من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والدانمارك. كان الرجل في هذه الأثناء بحاجة للمزيد من الأموال من أجل التوسع والانطلاق في مشاريع جديدة مثل استيراد البيوت الجاهزة لإقامة المجمعات السكنية. لكن البنوك رفضت منحه التمويل اللازم كونه ليس سعوديًا وبحاجة إلى كفيل. يقول الأنصاري: «تعرفتُ على أحمد وعبدالعزيز وسليمان أبناء حمد القصيبي، وهم من الذين عاشوا في البحرين زمناً وأحبوها وأحبوا أهلها كثيرًا، واصطحبوني معهم إلى بنك الرياض، حيث كفلوني للحصول على أول تمويل بنكي لي في حياتي، وكان عبارة عن 30 ألف ريال سعودي».

بعد النجاح الكبير الذي حققه في مجال الأثاث والسجاد وأدوات الإنارة والبيوت الجاهزة بدأ الرجل في البحث عن فرص إستثمارية جديدة فوجد أن الخبر ينقصها مطعم فاخر يقدم الوجبات العالمية بخدمة راقية وسط أجواء رومانسية هادئة. وقتها لم تكن هناك مطاعم من هذا النوع في الخبر، عدا مطعم يتيم في قلب السوق التجاري المزدحم بشارع الملك خالد مخصص للرجال فقط. علاوة على ذلك كانت الخبر فترتذاك قد تحولت إلى ورشة عمل ضخمة ومقر لسكن الآلاف من العائلات الأجنبية بسبب مشاريع التنمية التي جاءت مع الطفرة النفطية الأولى، الأمر الذي جعل الأنصاري أكثر اصرارًا على فكرة المطعم الفاخر. في النهاية هداه تفكيرة إلى شراء عوامة رابضة في ميناء سلمان بالمنامة معروضة للبيع من قبل صاحبها التاجر أحمد عبدالله الجامع، ونقلها إلى الخبر لتحويلها إلى المطعم المنشود. هنا واجهته مشكلتي الحصول على ترخيص من البلدية، وايجاد موقع مناسب في البحر لتثبيت العوامة. لحسن حظه، كانت بلدية الخبر آنذاك تحت قيادة أشهر مدرائها وأكثرهم عبقرية ورؤى استشرافية وتخطيطية وعشقًا للخبر وهو المرحوم عبدالرحمن بن عبدالعزيز الشعوان الذي لم يبخل على الأنصاري بالترخيص المطلوب، بل أعطاه أيضًا موقعًا فريدًا لتثبيت العوامة بالقرب من الموقع الحالي لفندق الميريديان و«معمل القصيبي لتعبئة البيبسي كولا» في الشارع رقم 28.

وهكذا عرف الناس الأنصاري على نطاق أوسع، وصار إسمه مرتبطا عندهم بمطعم العوامة الذي تحول سريعًا إلى متنفس لكل القاطنين في مدن المنطقة الشرقية وزوارها. بل ذاع صيته إلى درجة أن شركة أرامكو وغيرها من شركات ومؤسسات المنطقة كانت تختاره مكانًا لاستقبال واستضافة ضيوفها. ونظرًا لازدحام المطعم وكثرة الحجوزات اضطر صاحبه أن يقوم بعملية توسعة من خلال بناء طابق جديد. يقول الأنصاري عن مشروعه هذا: «لقد أصبحتْ العوامة معلمًا من المعالم الأثيرة، ومشروعا ناجحًا جدًا، وبدأتْ تجذب الأسر والمجتمع السعودي، بل ذاع صيتها في مختلف المناطق السعودية. لقد كان المشروع جميلاً وخياليًا ومبعثًا لفخري ولسعادتي الشخصية».

بعد ذلك لاحظ الرجل أن الكثيرين من داخل السعودية يأتون إلى المنطقة الشرقية في إجازاتهم، ولاسيما في إجازات الربيع وعيدي الفطر والأضحى، وأنهم غالبًا ما يواجهون مشكلة عدم وجود فنادق مناسبة للإقامة. وعليه قرر أن يستمر في مشروع جديد يحل به تلك المشكلة، فراح يستأجر الشقق ويفرشها ويزودها باحتياجاتها للعوائل الصغيرة، ويستأجر البيوت والفلل الكبيرة للعوائل الميسورة. مشروعه هذا لقي أيضًا نجاحًا ورواجًا مثل مشروعيه السابقين.

في أواخر السبعينات قرر الأنصاري تصفية أعماله في الخبر والعودة إلى البحرين، وهو في قمة النجاح والسعادة. وفي هذا السياق سجل عنه قوله: «إن انجاز رجل الأعمال لا يكمن في كسب المال فقط، وإنما سعادته الحقيقية تكمن في تحقيق النجاح، وأنا سعيد اليوم لأن الفترة التي عشتها في المملكة العربية السعودية الشقيقة، عرفتني على أمور وتجارب كثيرة لا تقدر بثمن، وسمحت لي بالإختلاط بأناس أكارم أكن لهم كل الحب والتقدير، وفوق كل هذا حققتْ لي نجاحات وطموحات شخصية. إن السنوات التي عشتها في السعودية أعتبرها تاريخًا جميلا لا ينمحي من ذاكرتي».

في البحرين أسس الأنصاري مؤسسته الخاصة للإنارة والكريستال بشارع المعارض في المنامة، لكنه لم ينس تخصصه الأول في تجارة الأثاث، فاستثمر في إقامة مصنع ناجح ومتميز ومنافس للصناعة الأجنبية لأنتاج المراتب والمفارش بأنواعها ومقاساتها المختلفة، وتصديرها إلى دول الجوار تحت اسم «مصنع البحرين للمفارش». كما لم ينسَ البلد الأجنبي الذي زاره لأول مرة سنة 1968 لاستيراد الأثاث وهو ألمانيا، فأسس جمعية الصداقة البحرينية الألمانية، ونال عضوية مجلس إدارة الغرفة العربية الألمانية، وساهم على مدى سنوات طويلة في تعزيز الروابط بين البحرين وألمانيا. وتقديرًا لجهوده هذه، سلمته سفيرة ألمانيا في المنامة السيدة سابين توفمان باسم الرئيس الألماني وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى في عام 2015، ليصبح أول بحريني وأحد القلائل الذين يحملون هذا الوسام الذي يعد أعلى تكريم ألماني لمن يحقق خدمة متميزة لألمانيا الاتحادية. كما نال وسام الاستحاق البحريني من الدرجة الأولى في عام 2018 لدوره في المجال الصناعي وتعزيز الروابط التجارية بين البحرين والعالم الخارجي، علاوة على أوسمة وشهادات تكريم أخرى من إيطاليا وفرنسا.