خرج رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الثلثاء، بتصريح يحذر فيه من اندلاع نزاع جديد مع أذربيجان، بسبب ما سماه "عجز" قوات حفظ السلام الروسية التي انتشرت عقب الحرب الأخيرة عام 2020 عن ضمان سلامة ممر لاتشين البري بين منطقة ناغورني-كراباخ وأرمينيا، الذي مضت أشهر عدة على قطعه من جانب منظمات أذرية، تزعم أنها مناصرة للبيئة وتدعو إلى وقف العمل في المناجم في المنطقة المتنازع عليها.   
 
بعد الحرب مع أوكرانيا، فقدت قوات حفظ السلام الروسية زخمها، وهي بلا أدنى شك غير قادرة على الوفاء بالتعهدات التي وردت في اتفاق الهدنة الذي توسطت فيه موسكو. ومع ذلك، ثمة جانب آخر لا يجدر صرف الانتباه عنه، وهو أن المحاولات الغربية للضغط على أذربيجان من أجل فتح الطريق، باءت هي الأخرى بالفشل.   
 
وإذا ما نظرنا إلى سياق التدخل الغربي الذي زاد في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى منذ تعثر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، نرى أنه تدخل يشترط أولاً مواقف انقلابية من هذه الدول على موسكو، كأن تصطف مثلاً إلى جانب القرارات التي تدين في الجمعية العمومية للأمم المتحدة الهجوم الروسي على أوكرانيا، أو أن تنضم هذه الدول إلى نظام العقوبات الغربي على روسيا.   
 
لا يمكن لدول تعتمد على روسيا اعتماداً رئيسياً في تبادلها الاقتصادي أن تقفز بسهولة من دائرة النفوذ الروسي إلى دائرة النفوذ الغربي. صحيح أن الوضع العسكري لروسيا في الميدان الأوكراني ليس على ما يرام، لكن روسيا لم تضعف من الناحية الاقتصادية بالقدر الذي كان يتوقعه الغرب عندما فرض عليها العقوبات.
 
ومع ذلك لا بد من طرح السؤال الآتي: هل بدأت تأثيرات الانتكاسات الروسية في الميدان الأوكراني تؤثر في القوة الناعمة الروسية في أماكن النفوذ التقليدي لروسيا، من أرمينيا إلى جورجيا وكازاخستان وأوزبكستان ومولدوفا؟
 
البادي للعيان، أن ثمة تفاوتاً بين دولة وأخرى في درجة الابتعاد من الفلك الروسي. مثلاً الحكومة المولدوفية تدعو حلف شمال الأطلسي علناً إلى مساعدتها لمنع موسكو من تنفيذ "انقلاب" انطلاقاً من منطقة ترانسنيستريا المحاذية للحدود الأوكرانية.    
وفي جورجيا، سلط الضوء مجدداً على مشاعر معادية لروسيا من خلال التظاهرات الواسعة ضد قانون للإعلام أقره مجلس النواب الجورجي، ويعتبر مشابهاً لقانون روسي يعتبر وسائل الإعلام غير الموالية بمثابة "عملاء أجانب"، وتالياً يستطيع قمع هذه الوسائل الإعلامية وإسكاتها. التظاهرات انتهت بتراجع النواب عن القانون.   
 
وفي كازاخستان، يحاول الرئيس قاسم جومارت توكاييف إمساك العصا من المنتصف، فهو لم يؤيد الهجوم الروسي ولم ينضم إلى التنديد به في الأمم المتحدة. وقبل أسبوعين زار وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن كازاخستان وأوزبكستان، واجتمع مع نظرائه في دول آسيا الوسطى الخمس. كانت تلك بمثابة محاولة أميركية لجس نبض هذه الدول ومدى استعدادها للانقلاب على روسيا.   
 
وموسكو التي تعلم بالنيات الأميركية، زادت من جهودها الدبلوماسية ومد اليد إلى منطقة آسيا الوسطى. وزار الرئيس فلاديمير بوتين كل جمهوريات آسيا الوسطى الخمس وعقد أكثر من  50 اجتماعاً (افتراضياً وشخصياً) مع قادة هذه الجمهوريات في 2022.     
 
قد يكون باشينيان محقاً في شكواه من أن عجز قوات حفظ السلام الروسية، قد يؤدي إلى انفجار الحرب مجدداً في كراباخ. لكن واقع الحال أن الغرب هو الآخر يقدم وعوداً أكثر من الأفعال، لا تجعل يريفان تقلب ظهر المجن لروسيا بالكامل، في وقت لا تزال موسكو الشريك التجاري الأول لأرمينيا.    
 
مثل أي دولة قريبة من روسيا أو بعيدة منها، فإن تأثيرات النزاع الأوكراني تترك بصماتها الجيوسياسية حكماً في القوقاز وآسيا الوسطى، شأنها شأن دول أوروبية وآسيوية وشرق أوسطية وأفريقية.