علي الخزيم
للعرب -قديمًا وحديثًا- شأن مُميّز بتعاملهم مع المرأة بكل الأحوال حتى بطريقة النداء فلهم استخدامات وجُمل وعبارات وكنى اختصوا بها وعُرفت عنهم وتناقلتها وتوارثتها الأجيال نظرًا للطفها وقيمتها العليا بتكريم شأن المرأة مهما كان موقعها ودرجة علاقتها بالرجل، غير أن اللهجات المَحكية بكل جزء من الجزيرة العربية وما لحق من بقاع العالم العربي بعد انتشار الإسلام تختلف وتتباين إلَّا أن المعاني متقاربة لا تبتعد كثيرًا عن المقاصد الطيبة في حماية صِيت وسمعة وكرامة النساء بصفة عامة، فمِن أشعارهم وقَصَصهم تتضح الفكرة وما كانوا عليه مِن التَّكنية والتعميم والتعمية أحيانًا عن الاسم الصريح للمرأة المناداة؛ ومن الكنية قول زهير:
(أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ
بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ).
ومن التصريح قول بشر بن عوانة:
(أَفاطِمُ لو شَهِدتِ ببطن خَبتٍ
وقد لاقى الهِزَبرُ أخاكِ بِشرا).
على أن التصريح لم يَكن مُعيبًا ولا ينظرون إليه بعين المُستقبِح ولا يَسمَعُونه بأذن المُستهجِن؛ فقد كان من الدارج بكثير من الأحياء العربية التصريح بنداء المرأة خصوصًا بالأحياء المُغلقة بمعنى قلة التوسع بالعلاقات والامتداد نحو الأحياء والمضارب المجاورة؛ فيكون من السابق معرفة اسم المرأة بينهم منذ صغرها، أمَّا حين يَتَرحَّل القوم بين أحياء وقرى ومنازل مغايرة فإن التَّكنية وما ماثلها بنداء نسائهم يكون هو الغالب لئلا يشيع الاسم بين الرجال صيانة وتكريمًا لها ولذويها، إذ يرون أن ليس من المهم إشاعة اسمها حين تؤدي الكنية وما شابهها (الأخت والوالدة والخالة) الغرض المطلوب.
أسلوب وتركيبات نداء المرأة بين أطياف المجتمع العربي بات منذ القدم إرثا وقيما أخلاقية تُمَارس ضمن منظومة الأخلاق العامة المتعارف عليها، ومن يستهين أو يُقلل من أهمية هذا الاعتبار أو ينتقصه بزعم سلوك نهج ينحو للتحرر من ضوابط القبيلة لكونه يراها عتيقة لا تُساير عصره: فهو استثناء يَظهر بكل زمان وبكل مناسبة ولا تقاس عليه شِيم الرجال حتى وإن تأثر به بعض الغافلين والسذج، ويلاحظ بأن بعض النساء اليوم بأنحاء كثيرة من عالمنا العربي تأنف من مناداتها (مرأة؛ حرمة) وكأنها مَسَبّة أو شتيمة؛ فهي تُحبّذ الكلمات الرقيقة اللطيفة المستحدثة كالسيدة أو المَدام أو الآنسة، مع أن مفردة حرمة: عربية فصيحة ليس فيها ما يسيء؛ ومن معانيها أنها بحماية الرجل يعزها ويجلها؛ فلا تُمس ولا يُدنَى منها فهي من حريمه معززة مكرمة.
من المواقف والملحوظات المزعجة للذوق المجتمعي العام وللمرأة بصفة خاصة ما حدث في تجمع قبلي بإحدى المناطق لعلاج مشكلة عابرة إذ أقسم أحدهم على صحة رأيه؛ وإن لم يَصِح فالطلاق من زوجته! فنصحه أحد الحضور بالبعد عن مثل هذا اليمين، فرد على مَسمَع الجميع بقوله:
(بسيطة: المَرَه بدالها مَرَه)!
ولا تسمح المساحة بسرد الكثير من الأمثلة التي كانت تتَماهى مع عادات وتقاليد ومفاهيم دونية خاطئة؛ وتُناقِض شيم العرب قبل الإسلام وبعده، وربما كان منبعها اجتهادات وحالات خاصة طارئة ابتدعها أحدهم بزَمَنه ثم قلّده غيره؛ فسار على دربهم مَن فهموها فهمًا مقلوبًا.
