فقدت مدينة البتاويين رونقها مع مرور الأيام وقد باتت المنطقة توصف بأنها quot;أكاديمية فنون الجريمةquot; خصوصًا أنه لا يوجد اهتمام بها على الرغم من أنّها منطقة غير اعتيادية، وتجارية، وسياحية وتراثية. إيلاف جالت في شوارع المدينة التاريخية وتحدثت مع سكانها الذين قدموا شهادات حزينة حول المنطقة.

الجزء الاول:
البتاويين مزارع خس وسط بغداد كساها اليهود بالطابوق

بغداد : ها هي البتاويين مرة ثانية تنادي بأن نمد خطواتنا على اراضيها، في محاولة للتعرف إليها عن قرب، كنت اتمنى المشي في شوارعها ونظراتي تنطلق في فضاءاتها، ومع متعة قليلة هناك شعور كبير بالخيبة. أمرّ.. وأخشى أن تتكسر نظراتي ، حيث كانت ترثي لحال الابنية التي اصابها الاحباط والتجهم، فلم تعد مبتسمة كما كانت. اشراقات وجهها غابت ، واصبحت زحامًا من فوضى وخرائب ، كان صديق لي يمشي معي في رحلتي الثانية ، مررنا في بعض الازقة ، كانت العيون الكثيرة تطاردنا مستغربة لاسيما حينما ترتفع الكاميرا الفوتوغرافية بين يدي لتصوير بعض الامكنة.

كان الزقاق مليئا بأشخاص (سودانيين) ، ينظرون الينا من ابواب البيوت او من المحال التي يعملون فيها ، شعرت بهم توجسوا خيفة ، لكن صاحبي قال لي وهو يلكزني بكوعه ( يا معود امشي بسرعة ، ذوله يخوفون!!) ، استجبت لخوفه وخرجنا من الزقاق التعبان ارضا وبناء ، قال صاحبي : هل تذكر انها كانت تسمى (جمهورية السودان الشعبية) ؟. ابتسمت وتذكرت ان ذلك كان صحيحا لكثرة العوائل السودانية في هذه المنطقة ، لا سيما خلال عقد الثمانينيات والتسعينيات ، وقد امتهنوا مهنا عديدة لاسيما تصليح الاحذية (الاسكافي) ، مثلهم مثل المصريين الذين سكنوا المنطقة ايضا ، وعمروا المنطقة بالفول والطعمية والاكلات المصرية المعروفة ، او في المقاهي التي لابد ان تسمع منها جملة من المشروبات بتسمياتها المصرية و (واحد شاي وصلحوا) !!، وكان لا يمكن ان تمر في الشارع او في منطقة الباب الشرقي دون ان ترى العشرات منهم ، مثلما كان في المنطقة فلسطينيون وسوريون وكل منهم نقل اكلات بلده وتقاليده الى المكان.

حاولت ان ابدد شيئًا من خوف صاحبي عبر المزاح مع بعض السودانيين فوجهت الى احدهم كاميرتي لكنه غطى وجهه ، وصرنا نمزح معه ومع عراقيين هناك ، سألتهم : كيف حال البتاويين ؟ ، سمعت ضحكات منهم ، ثم قال احدهم (احسن منطقة!!) ، قلت له : كيف ، قال : في كل شيء ، ولكنها الان ليست كما كانت. وقال اخر : هي البتاويين ، هل هناك احد لا يعرفها ، (كيف وطرب وونسة وكيولية (غجر) !!، اكتفينا بما سمعنا وفهمنا ، وانطلقنا وراح صاحبي يحدثني عما كانت عليه المنطقة ، يشير الى ما كان يسمعه عنها ، حيث كل شيء مباح وانها منطقة مفتوحة ، وانه لطالما كان اصدقاؤه يتحدثون عن مقاهيها وبعض البيوت فيها التي اصبحت مفتوحة للعابرين من اجل المتعة ، ومع احاديثه تذكرت ما كتبه عنها الروائي شاكر الانباري في روايته (نجمة البتاويين) حيث اوجز المنطقة بقوله (حي البتاويين تقطنه جاليات عربية فقيرة، وعاهرات أيام زمان، وصار متحفا للحانات القديمة، والأبنية التاريخية، والشخصيات الهامشية)، كما تذكرت قصيدة للشاعر هادي الناصر يقول في احد مقاطعها :(الصبية في البتاويين / يفتشون عن فحولة / لم يصلها الخصي حتى اللحظة / الشوارع تتبجس بدم العذراوات) !!.

كان عليّ ان اذكر ان معلومة وصلتني حول تسمية البتاويين، وسرعان ما بحثت عنها ، فوجدتها ، تقول المعلومة : (البتاويين مَحلة بغدادية قديمة كانت في ما مضى اي قبل ان تسكن وتعمر عبارة عن بساتين تسقى من نهر دجلة المحاذي لها ، كانت تعد من ارياف بغداد، ويقول الاب انستاس ماري الكرملي في مباحثه التاريخية عن بغداد ان سكنة البتاويين كانوا ينسجون قماش (البتة) الذي كان البغداديون يرتدونه ايام زمان) ، هذا ما قاله الاب الكرملي وقيل ان العلامة الشيخ جلال الحنفي أيده في هذا.

ومشينا .. طويلاً في الشارع الوسطي، نتطلع الى كل ما نمر به ولم يكن يثير الاعجاب كثيرًا، ولا سيما ان تلك الدور التي تدخل ضمن مسميات التراث تغيرت وتهدمت، توقفنا امام زقاق كانت اغلب دوره مهدمة، مشينا فيه قليلا ، صادفنا شخصا وسألناه ، فقال : الكثيرون من اهالي المنطقة القدامى تركوها بسبب تدهور الوضع الامني ، لان المنطقة ليست متماسكة اجتماعيا مثل اغلب مناطق بغداد ، بل انها (لملوم) او كما قال (من كل قطر اغنية) !!.

ثم مضينا نقطع المسافات ونتوقف امام الكثير من الاشياء ، والتغييرات التي اكتظت بها البتاويين عبر شوارعها التي تشكو من اطيان مزمنة ونفايات لا تنفى ، مع ازدياد محال تصليح السيارات ومعامل الالمنيوم والمطابع والمهن التجارية المختلفة ، بالاضافة الى ارصفتها التي باتت هي الاخرى تعاني من عناءات متواصلة .

توقفنا امام بائع للسكائر هناك وتحدثنا معه فسمعنا منه : بصراحة .. هذه المنطقة مهملة منذ سنوات طويلة وليس السنوات الاخيرة فقط ، لايوجد اهتمام بها على الرغم انها منطقة غير اعتيادية ، تجارية وسياحية وتراثية ، لكنها الان (خربت) !!، اردت ان يشرح لي اكثر فقال : ولكن ما اقوله مخجلا ، قلت له : قل ما تشاء ، فقال : البتاويين كانت ولا تزال مشهورة بالدعارة والممارسات اللاخلاقية ، وفيها رأيت لاول مرة كيف الصبيان يستنشقون مادة (الثنر) و(السيكوتين) ويتصرفون تصرفات غير اخلاقية معروفة !!.

هناك إلتقيت الكاتب محمود موسى الذي سألته عن البتاويين فقال : الان هي ( اكاديمية فنون الجريمة ) فهي مدينة تصدر اللصوص والقتلة والاوحال وانصاف المجرمين ، نرى فيها الالاف من اشقائنا السودانيين يحتلونها طواعية لأنهم يرون فيها ملاذا أكثر أمنا من جحيم دارفور ، اذن هم اشقاؤنا في المحنة وفي الجحيم الارضي الذي يسمى سهواَ ( الوطن ) ليس هؤلاء فحسب ، بل حتى اولئك القرويون الذين يتركون قراهم في ارياف المحافظات العراقية ويقصدون المدينة بدهشة الفلاح الساذج ، سرعان ما يتشربون بها كما تتشرب الاسفنجة بالماء الاسن .

واضاف : حين أخترق شوارع البتاويين اتصفح الواجهات الجميلة لتلك البيوت بأفاريزها المزخرفة وابوابها وفناءات بيوتها الواسعة كقلوب أبناء زمنها الذهبي الجميل الذي ولى والى الابد ، أحاول ان أحدس بيوتها وبيوت شخصياتها القديمة ابان الاربعينيات وما تلاها ، اقف امام احدى البيوت لأتشائل : - ربما يعود هذا البيت الى الروائي العراقي سامي ميخائيل الذي ترك البتاويين هذه ليهجّر الى اسرائيل، ادلف الى زقاق آخر أتأمل ذلك الفرن وصاحبه المسيحي الطيب ، ذالك الفرن الذي قضى فيه المطرب العراقي الكبير ( قحطان العطار ) معظم طفولته ومطلع شبابه عاملا بسيطا قبل ان يصبح مطرب العراق الاول منتصف سبعينيات القرن الماضي ، في زقاق آخر اصل الى المكان الذي قتل فيه رئيس وزراء العراق ( نوري باشا السعيد ) بعد ثورة 14 تموز1958 برصاصات ( وصفي طاهر ) بعد أن تنكر وتخفى الباشا بعباءة نسائية ، امضي قليلا لابحث عن بيت الشخ ( محمد العريبي ) شبخ عشائر البو محمد الذي اتخذ من البتاويين منتجعا سياحيا .

وبعد لحظات تـأمل اطلق محمود حسرة ثم قال : انها مدينة الزمن الجميل .. لتتغمد الحكومة هذه المدينة برحمتها اللا واسعة !!.

هناك ساحة في وسط جزءي البتاويين ، توقفنا قربها ، تدور حولها العديد من الفنادق والبنايات وتتشعب منها العديد من الشوارع التي تؤدي الى شارعي السعدون والنضال ، ولكن الساحة التي هي موقف للسيارات تدور حولها النفايات بشكل غريب ومقزز ، وغير متلائم مع البنايات الجميلة والفنادق والمحال التجارية ، وهي حلقة كما يبدو في سلسلة السلبيات في هذه المنطقة ، وهي مما يحزن فعلا .

في البحث عن البتاويين واسرارها والناس الذين سكنوها عبر السنوات الطويلة ، حاولنا سبر اغوار ذاكرة المحامي طارق حرب الذي قال : البتاويين قلب بغداد حاليا ، ولكنها في الاربعينيات كانت تمثل الجزء الجنوبي منها ، اذ لم تكن الكرادة كما هي عليه الان ، ولم تكن هناك مناطق الزعفرانية وكمب سارة ، بل كانت مجرد بيوتات متفرقة ، وفي البتاويين عاشت شخصيات معروفة منها المرحوم محمد رضا الشبيبي حيث كانت داره هناك ، ودار اخرى لأحد شيوخ البو محمد والذي كان عضوا في مجلس الاعيان في العهد الملكي اواسط الخمسينيات ، وفي البتاويين افتتح الطبيب اليهودي المشهور (داود كباية) والذي كان صديقا للزعيم عبد الكريم قاسم ، عيادته في شارع السعدون ، وبالضبط مقابل سينما السندباد ، وهذا له قصة ، اذ جاء من محافظة ميسان الى بغداد ، بعد ان اغلق عيادته هناك ، كان هذا في الخمسينيات ، وحيث انه معروف من اهالي (لواء العمارة) آنذاك ، ونظرا لانتقاله الى بغداد ، كانوا حريصين على مراجعة عيادته ، ليس لان ثمن الكشف الذي يجريه يساوي خمس ثمن الكشف الطبي الذي يجريه الاطباء في بغداد ، وانما لانه من اهالي العمارة ، وكم سمعناه يقول باللهجة الشعبية : (اهل العمارة .. اني ابتليت بيكم ، انهزمت من العمارة لبغداد ولحكتوني ليجاي!!) يقول هذا من باب المزاح والمجاملة وحبه الكبير لمدينة العمارة التي ولد فيها ونشأ وترعرع ، وقد حصلت له قصة ، اذ شكاه بعض اطباء بغداد الى نقابة الاطباء بسبب تقاضيه مبلغ زهيد عن اجور الكشف من المرضى الذين يراجعونه ، كما ان الطبيب اليهودي المشهور (جاكي عبود) قد اتخذ عيادة وبيتًا كبيرًا في الطريق الذي يوصل البتاويين بمعسكر الرشيد ، في المنطقة اليسرى التي تمتلئ حاليًا بمحال بيع الاطارات والبطاريات ، وكان يعالج المرضى المصابين بالخلل العقلي (المجانين) عن طريق الكي الكهربائي ، ولطالما كنا نأتي بأحد المجانين في منطقتنا الذي تنتابه نوبات الجنون بين فترة واخرى والتي تمتد احيانا الى عدة اشهر ، وبمجرد دخولنا على هذا الطبيب يرحب بالقادمين ثم يختلي بمريضه بغرفة يغلقها بأحكام لكي لا نطلع على ما يقوم به ، وبعد دقائق يخرج صاحبنا المجنون وقد تعافى من نوبته العقلية .

واضاف : كان اليهود يمتلكون بنايات كثيرة وكبيرة ، وحسبنا في ذلك ان نذكر ان بناية مديرية المرور في شارع ابي نؤاس حاليا كانت مملوكة لليهودي المعروف شفيق عدس الذي تم اعدامه بقضية بيع السيارات الخردة التي اشتراها من مخلفات الجيش الانكليزي في الاربعينيات (سكراب الشعيبة) ، حيث اشترتها شركة ايطالية واعادت تعميرها ومن ثم اشتراها بعد اصلاحها من قبل التجار اليهود في فلسطين ، وقد احيل الى المحكمة على اعتبار انه يساعد اسرائيل ، وهذه القضية وان كنا قد ذكرنا موجزها غير اننا نملك الكثير عنها بسبب اطلاعنا على الاضبارة الكاملة لاجراء المحاكمة والتحقيقات ، وهذه المعلومات تختلف كليا عن ما اشيع من ان شفيق عدس كان يساعد الصهاينة ، اذ ان الحقيقة خلاف ذلك بكثير.

وتابع : تهجير اليهود بدأ بعد اول فرهود العام 1941 ، بعد وصول الوصي على العرش عبد الاله الى بغداد والاطاحة بالعقداء الاربعة وهروبهم من العراق ، والعجيب ان ضباط الحركة هربوا في حين ان المدنيين في الحركة بقوا ، فأعدم يونس السبعاوي ورفاقه وحكم على رشيد عالي الكيلاني غيابيا ، وبسبب هذا الظروف السياسية التي نشأت في فلسطين ، وكان من مصلحة البعض تهجير اليهود من العراق لاغراض مادية ، فالمنافسة التجارية مثلا ، ولاغراض عرقية، وما يحمله البعض من كره لليهود ، او احيانا بسبب الجهل ، اذ تحمل اليهود ما تحملوا من اذى بسبب تلك الظروف ، ومع ذلك بقي البعض منهم ولم يرحل ، فأن كان الاديب (مير بصري) قد رحل ، فأن (داود سمرة) القانوني المعروف والذي كان نائب تمييز العراق ، بقي الى حين وفاته في الستينيات ، وكذلكروبين بطاط وانور شاؤول ، وكانا من ارباب التجارة والصحافة والمطابع ، وقد زادتهم المأساة عندما صدر قانون 1950 وقانون 1951 باسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين ، مما اضطر الكثيرين الى مغادرة العراق .

واكمل : اما اخر تهجير وأمره وأشده هو ما حصل عند استلام حزب البعث السلطة عام 1968 ، حيث لم يبق الا القليل منهم ، والى ما قبل سقوط النظام السابق كان عدد اليهود أقل من (100) شخص ، والحق يقال ان ابا يوسف رئيس الطائفة اليهودية في التسعينيات كان مثالا لرجل الدين الذي يتسم باليسر والاحسان والمعروف والمحبة ، حيث كنا قد توكلنا في دعاوى في تلك المدة في املاك تعود الى الطائفة الموسوية ولا زالت احكام الطائفة الموسوية القانونية الخاصة بالاحوال الشخصية من زواج وخطبة ومهر وميراث ووصية نافذة الى حد الان ، اخرها كان نظام الاحوال الشخصية للطائفة الموسوية الذي صدر عام 1949 والذي ما زال نافذا .

في البتاويين ذات المساحة الشاسعة والتي لا يمكن الانتباه الى مساحتها ، بسبب الاعتقاد انها فقط تلك المساحة التي تهبط من (حديقة الامة) وتنتهي في اخر الشارع الممتد منها ، هناك علامات فارقة فيها ، بالاضافة الى كونها تشتهر بالمطابع ومقرات للصحف المحلية والمكاتب المعروفة بالفنون الطباعية ، وفيها مسرح (بغداد) الذي اصبح الان خربا ، والذي فيه قدمت فرقة مسرح الفن الحديث اشهر اعمالها ، وفيها كنيسة العذراء للسريان الاورثوذكس وكنيسة الارمن وكنيسة الكلدان والكنيس اليهودي ، وفيها (القصر الابيض) الذي كان دارا للضيافة الرسمية في العهد الملكي ، واصبح مقرا لشركة يابانية ثم نادياً للصابئة ، ثم منتدى ادبيا قبل ان يكون حاليا مقرا لاحدى منظمات للمجتمع المدني ، لكن معالمه تأثرت كثيرا ولم يعد سوى اسمه شاخصا كدلالة جغرافية ، وهناك (بارك السعدون) الشهير ، وهو معلم من معالم المكان المميزة ، لكنه تعرض للاهمال خاصة في زمن النظام السابق الذي جعله مديرية للامن العامة ، ويضم شارع السعدون الذي هو احد شوارع البتاويين اغلب دور السينما والمحال التجارية المهمة ذات السمعة الكبيرة ، اضافة الى الكثير من المعالم التي تزخر بها المنطقة والتي ما زالت تعيش حياة صعبة.

*** الصور خاصة بايلاف